تباشير
د. وليد محجوب
لا يختلف أحد أن مهندس وسط المنتخب الإسباني رودري، ذلك المايسترو الصامت الذي يحرك خيوط اللعب من الخيوط الخلفية للملعب، ويجسد معنى الانضباط التكتيكي كساعة سويسرية لا تخطئ، ظل يؤكد أن مكانته بين نجوم الكرة ثابتة، ولا ويُنازعه أحد في هذه البطولة بوصفه أفضل لاعبي الوسط، فهو القلب النابض لمنظومة المنتخب الإسباني المتكاملة. فقدراته القيادية الفذة تتجسد في كل تمريرة كانت نهايتها هجمة خطرة وأو هدف حاسم. بجانب ذلك فهو يمثل بداية الدرع الواقي لدفاع منتخب إسبانيا الذي برجع فيه الشاب اليافع كوبارسي أيما براعة. لكن السؤال الذي يلوح في الأفق، كغيمة شاحبة في سماء صافية: هل يكفي الأداء المتقن داخل منظومة جماعية لمنافسة من كان هو المنظومة ذاتها؟
إنني لا أقلل من عبقرية رودري، فهو لاعب يدرك أن الكرة ليست أهدافاً فقط، بل إيقاع وسيطرة وذكاء موقعي. لكن عندما نتحدث عن الأفضلية المطلقة، لا بد أن ننظر إلى من حمل على كتفيه منتخب وطنه بأكمله، ولم يكتفِ بأن يكون جزءاً من الآلة، بل كان الآلة والمهندس وقائد الأوركسترا في آنٍ واحد.
ميسي، في عمر التاسعة والثلاثين، قدَّم عُرس كروي لم تشهد له مثيلاً في كل بطولات كأس العالم السابقة. فقد سجل ثمانية أهداف في هذه مسابقة بمفرده، وصنع أربع تمريرات حاسمة، لكن الأهم أنه كان العامل الفارق في كل موقف حرج مر به منتخب الأرجنتين. لولا تدخلاته الحاسمة، لكانت الأرجنتين قد ودعت المونديال من ثمن النهائي، لا من بوابة المجد في خاتمة مبارياته. فميسي لم يلعب ضمن منظومة، بل خلق منها وجوداً حين كانت تنهار، وكان كالجبل في وجه العواصف خاصةً في مباراتي مصر وإنقلترا.
أما في النهائي، حين غابت بصمته السحرية تحت ضغط تكتيكي إسباني شرس، انكشفت حقيقة لاعبي الأرجنتين فظهروا بمظهر الفريق العادي بدون فعالية ميسي. فريق اعتمد على حارس استثنائي تصدى لـ 11 كرة في مباراة واحدة، متجاوزاً بذلك مجموع تصديات صاحب القفاز الذهبي أوناي سيمون، والبالغة 10 تصديات خلال البطولة بأكملها. هذه المقارنة لا تقلل من أحد، بل تضع الأمور في نصابها: ميسي لم يكن لاعباً في المنتخب، بل كان المنتخب نفسه.
إن أجمل ما في الكرة أنها لا تقاس بالأرقام وحدها، لكن حين تجتمع الأرقام مع التأثير الحاسم والقيادة الفردية في لحظات الشدائد، يصبح السؤال مشروعاً: كيف يُفضل من يؤدي دوراً بارزاً في منظومة جاهزة، على من يصنع المنظومة من دمائه وعرقه، وينافس في سن متقدمة على لقب الهداف، ويقود فريقه حين يترنح الجميع؟
رودري لاعب قدير، ويستحق لكل تقدير، لكن جائزة الأفضل عالمياً ليست مكافأة على التفوق في واجب، بل تتويج لمن يستثني نفسه من القواعد، ويجعل المستحيل واقعاً. وميسي، ذلك الساحر الذي لم توهن شيخوخته عزيمته، كان هذا العام أحق من غيره بهذه الكأس، ليس لأنه سجل وصنع، بل لأنه كان اللاعب الوحيد الذي إذا غاب، انهار كل شيء، وإذا حضر، انتصر الجميع.













