استدامة
الجيلي إبراهيم بلولة
كلما تداعى الحادبون على الرياضة السودانية لبحث معضلاتها وهندسة إصلاحها، انصرفت الأنظار -في عجلة من أمرها- صوب استعارة النماذج الجاهزة من القارة العجوز أو فضاءات الخليج، باعتبارها الترياق الحاسم. بيد أن السؤال الجوهري الأجدر بالطرح هو: هل تكمن أزمتنا في قلة النماذج الحوكمية، أم في غياب نموذج أصيل ينبثق من رحم واقعنا ويحاكيه؟
إن طاقة النجاح لا تتولد من استنساخ تجارب الآخرين، بل من سبر أغوارها، ثم إعادة تفكيكها وتشكيلها لتتواءم مع خصوصية البيئة المحلية وعناصرها المتفردة.
لسنا بحاجة إلى نسخة أخرى من أحد
لكل دولة نواميسها الاقتصادية، وتركيبتها التشريعية، وطبيعة مؤسساتها الرياضية الخاصة؛ فالآليات التشغيلية التي تقود دوريات تسبح في بحار من المليارات، لا تُمثل بالضرورة حاجة حتمية أو حلاً عملياً لكرة القدم السودانية في مرحلتها الراهنة.
إن المطلب الاستراتيجي اليوم لا يتمثل في استيراد قوالب تنظيمية معلبة، بل في صياغة نموذج وطني متكامل، يستلهم أفضل الممارسات العالمية، دون أن يفقد هويته أو ينبتّ عن حقيقة واقعه المحلي.
ما الذي يجب أن يقوم عليه النموذج السوداني؟
إن أي بناء حوكمي وطني مرشح للبقاء، يجب أن ينهض على أربع ركائز سيادية:
- أولاً: الشفافية: وهي المدماك الأول لبناء جسور الثقة المهدمة، وتتجلى في الإفصاح المالي الدوري، وموضوعية القرارات، وإتاحة المعلومات الجوهرية للأندية والجماهير على حدٍ سواء.
- ثانياً: المساءلة: إذ لا يمكن لقرار سيادي أن يمر بلا رقيب؛ مما يستوجب إخضاع مجالس الإدارات واللجان التنفيذية لمؤشرات أداء صلبة وقابلة للقياس، بدلاً من التقييمات الانطباعية والموسمية.
- ثالثاً: الاستدامة المالية: فالأزمة الراهنة ليست أزمة شُحّ في الإنفاق، بل معضلة في جودة الإدارة؛ والنادي الذي يتجاوز إنفاقُه حدود موارده لا يصنع مجداً، بل يؤجل انفجار أزمة محققة.
- رابعاً: الاستقلالية: وتتمثل في صون حياد اللجان القضائية والفنية، وحسم تداخل الصلاحيات، وتجفيف منابع تضارب المصالح، لإعادة الهيبة للمنظومة التنافسية.
الحوكمة ليست رفاهية
غالباً ما تُحاط الحوكمة بهالة من التعقيد اللفظي والترهق المفهومي، بيد أنها في جوهرها فكرة واضحة وجلية؛ إنها النظام المحكم الذي يجيب عن أسئلة أربعة: مَن يملك سلطة القرار؟ كيف يُتخذ؟ كيف تُفرض الرقابة عليه؟ ومَن يُحاسب عند الخطأ؟
وكلما اتسمت إجابات هذه الأسئلة بالوضوح والمؤسسية، اشتد عود المؤسسة واستقرت مسيرتها.
الفرصة التي لا يجب أن تضيع
رغم قتامة المشهد الحركي وعمق التحديات التي تجابه الكرة السودانية، إلا أن هذا المخاض يحمل في طياته فرصة تاريخية؛ فالمنظومات التي أُعيد إنتاجها وإعمارها من نقطة الصفر، تحظى بميزة استراتيجية تفتقر إليها الكيانات القديمة، وهي: القدرة على التأسيس الرشيد والنهوض الحر، دون أن تكبلها تركات ثقيلة من التعقيدات الموروثة.
لذا، فإن بوصلة التساؤل يجب أن تتحول من: كيف نقلد الآخرين؟ إلى: كيف نبتكر نموذجاً سودانياً خالصاً يعبر عن واقعنا ويهيئنا للمستقبل؟
الخلاصة
لن تصنع النسخ المستوردة ربيعاً للكرة السودانية، وإنما خلاصها في ولادة نموذج وطني خالص، يتخذ من الشفافية، والمساءلة، والاستدامة، والاستقلالية عقيدة عمل ثابتة؛ فالمؤسسات العظيمة لا تُستنسخ… بل تُبنى من تراب أوطانها.
وفي الحلقة القادمة: هل تبدأ نهضة الكرة السودانية من الاتحاد… أم من الأندية؟ أم من العقلية التي تديرهما؟
خبير حوكمة واستدامة القيمة في القطاع الرياضي











