بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
حمل إليَّ الناعي يوم السبت 7/2/2026 ارتحال أستاذي عبد الرحمن قنديل، ابن “قري” الموهوب، عن هذه الدنيا الفانية، فأثار ذلك كوامن حزن لا يخبأ أواره حتى يهيّجه حزن جديد على قريب أو صديق مرتحل في هذه السنين العجاف!
في مقاعد الخامس الابتدائي عرفته أستاذا متمكنا وفنانا موهوبا ومرهفا. تعلمنا منه فن القراءة واستخراج المعلومة من النص، وقرأ علينا قصة نخلة على الجدول للطيب صالح ونحن جلوس على “الأدراج” وليس على الكراسي، فقد كان “يكسر” العادة بموهبته الفذة وخلقه النبيل وأدبه الجم، وتعلمنا منه قواعد الرسم والخط العربي.
لم يمكث أستاذي في التدريس كثيرا فقد التحق بالإخراج الصحفي وأصبح خطاط العناوين الرئيسة في جريدة الصحافة. كان يتقن الرسم والخط العربي، خاصة الفارسي الذي دأب على كتابة اسم الرئيس الأسبق “جعفر نميري” به، وذات مرة وفي العنوان الرئيس في الصفحة الأولى ارتدت الياء راجعة في آخر “النميري” تحت الكلمة، وهو ما أثار الرقابة الأمنية في جهاز الأمن الذي حقق مع الراحل آنذاك حول قصده من كتابة الياء بهذه الطريقة غير المألوفة! وحينما تكررت الاستدعاءات والتحقيقات حمل أستاذي حقائبه مهاجرا إلى أمريكا واستقر به المقام في نيوجيرسي!
خمسة عشر عاما قضاها أستاذي وصديقي في أمريكا، وفي أثنائها وبعدها لم يتوان عن مساعدة أهله في تلك القرية التي ترقد على ضفة النيل، وحينما عاد وجد أمه التي كانت تُمثل له القرية والأرض والمبتدأ قد ارتحلت إلى دار الخلود، فأظلمت الحياة في عينيه وخالط حسه المرهف حزن نبيل وشيء يشبه الزهد والتصوف، فعاد مهاجرا هذه المرة إلى الإمارات العربية المتحدة!
وفي الإمارات التي عمل في أكثر صحفها شهرة، واشتهر فيها كفنان تشكيلي نظمت له جمعية الإمارات للفنون التشكيلية في أغسطس 2014 لقاء بعنوان ” الإبداع والاقتصاد” كان هو المتحدث فيه. ورغم تنظيمه عدة معارض فنية للوحاته في الإمارات وفي أوروبا، وتقدير المختصين لفنه وريشته إلا أنه لم يجد في أبو ظبي وغربته دفء القرية ولا وهج نيوجيرسي فعاد إلى السودان وإلى قريته كما تعود الطيور المهاجرة إلى محاضنها بعد غياب طويل.
سألته ذات مرة عن سبب هجرته وغربته الممتدة في أمريكا فصمت برهة ثم أجاب: “رواية موسم الهجرة إلى الشمال”! ضحكت، لأنه حمل عني حرج السؤال التالي الذي كان يراودني كثيرا دون أن أسأله إياه، قلت له: والتأثُّر بحياة “مصطفى سعيد؟”، ضحك ضحكة الصديق لصديقه وقال: نعم، عالم مصطفى سعيد،، دون عالم جين مورس وآن همند!
عاد أستاذي عبد الرحمن قنديل إلى قريته “قري”، حاملا معه بعض تجاربه الحياتية، فأقام أمام منزله في الشارع الرئيسي في القرية محطة للحافلات، مقسمة إلى قسمين، قسم للرجال وآخر للسيدات، دون أن يدرك أن القُرى في السودان وحتى مدنه لا تعرف مثل ذلك التفكير، وأن الناس لا يزالون يعيشون بـ “البركة”، وعاش سنيّه الأخيرة من حياته زاهدا متبتلا، مفتقدا كثيرا من أحبابه ومجايليه، فهو الذي أعطى كثيرا ولم يأخذ شيئا! واليوم يرقد في قبره في مقابر “الحاج حسن” على ربوة تطل على وادي قري الكبير، وتشرف عليها جبال قري الشامخة، ولمّا يُكتب على شاهد قبره شيء! فأي خطاط يجرؤ على كتابة أو نقش اسم فنان عالمي مثل أستاذي عبد الرحمن قنديل؟
له الرحمة والمغفرة من لدن غفور رحيم.












