في الصميم
حسن أحمد حسن
هناك قصة تقول إن رجل أعمال ملياردير مات وترك خلفه مليارين وتسعمائة مليون دولار، فتزوجت زوجته سائقه.
وبعد أيام قال السائق جملة تختصر كل فلسفة الاقتصاد: كنت أظن أنني أعمل عند سيدي، وبعد موته اكتشفت أن سيدي كان يعمل عندي.
هذه الجملة ليست نكتة، بل صيحة يقظة… فالقضية ليست من يملك، بل من ينتفع، ليست من يجمع، بل من يعيش.
وفي النهاية، المال الذي لا يلامس يد صاحبه هو ملك لآخر، حتى ولو حمل اسمك في دفاتر البنوك ودائرة الأراضي.
ليس الغنى أن تملك ما هو كثير، بل أن تستغني عما هو زائد.
ونحن اليوم نعيش في عالم قام على تقديس الزائد لا الضروري… هو عصر «السبعين في المائة» الفائضة التي لا ننتفع بها، ولا نعرف لماذا جمعناها.
انظر إلى هاتفك الذكي: (70%) من خصائصه لا نستخدمها، به أقوى الكاميرات وأوسع الذاكرات وأفضل المزايا، كلها مجرد ترف رقمي لا يصنع حياة.
وانظر إلى السيارات الفارهة لدى الكثير أيضًا: (70%) من سرعتها أو مميزاتها المضافة لا نحتاجها أو لا نستعملها، المهم أن تصل بك لا أن تنفجر عداداتك فخرًا.
وانظر إلى خزانة ملابسك: (70%) من الملابس معلّقة تنتظر مناسبة لا تأتي، لأن الحياة لم تُصنع ليكون يومنا مسرحًا للعرض.
وانظر إلى بيوت أكثرنا: غرف لا تدخلها الشمس إلا في غرفة واحدة، وبقية الغرف مغلقة…
زاوية واحدة نفضل الجلوس فيها، وناحية واحدة فوق الأريكة نتسابق للجلوس عليها، والبقية لا نلمسها.
غرف فارغة تشبه حياتنا التي امتلأت بكل شيء، إلا بما نحتاج.
المال الذي نعمل العمر كله لأجل جمعه سيذهب في النهاية لغيرنا… سيرثه ابن أو ابنة أو زوجة لم يعرفوا كم بكينا من أجل لقمة العيش، وكم سهرنا من أجل تحسين حياتهم، وقد ينفقون جلَّه في الهباء وفيما لا ينفع.
أو ربما ترثه زوجة ستنفقه مع زوج لم نبصر له وجهًا في حياتنا… ونحن ننام في حفرة لا تسع حتى أريكتنا التي كنا نجلس عليها.
ولهذا يجب أن نحمي الثلاثين في المائة التي تبقت لنا، لأنها هي الحياة الحقيقية… هي العمر الذي لم نره، وهي الصحة التي أهملناها.
احرص على جسدك، فبه قوام كل حياتك الدينية والدنيوية، حتى لو ظننت أنك بخير، فالمرض لا يستأذن، والقوة تختفي مثل ضوء الغروب. اشرب الماء كثيرًا، واجعل غذاءك حلالًا صحيًا، ومارس الرياضة كثيرًا لأجل عبادتك وصحتك وعائلتك ووطنك.
لا تغضب، لا تغضب، لا تغضب… وتغافل وتنازل حتى وإن كنت على حق، فالقلب الذي يحمل كل المعارك أرض بور، جرداء.
تنازل، حتى وإن غلبك المنطق، فالصلابة المفرطة تكسر صاحبها.
وأبقَ متواضعًا دائمًا…
وإذا سألك أحدهم عن مالك وحلالك، فاحمد الله كثيرًا، وقل: في نعمه ورزقه غارقون، ولا تدّعِ الفقر والعوز وضعف الحال، فيبتليك الله بهم، فللإنسان ثلث ما نطق.









