مهدي يوسف إبراهيم
بدا لي وكأن قطار عمري اتخذ مساره المعروف ذاك لكي ألتقي بوجهها ظهر اليوم. لم تكن مصادفةً أن يتزوج أبي قبل ثلاثين عاماً بأمي التي جاءت نازحةً من “دار حمر”، أن أخرجَ إلى الوجود فردًا في بلدٍ منحوس، وأن يتكلّل نصيبي من نحسه بالتخرج في كليةٍ زادت ذهني جهلاً والتهمت من عمري سنواتٍ خمس بدون وجه حق. أيضاً لم تكن مصادفةً أن أنحشر قبل ساعةٍ داخل حافلةٍ ذاهبة من “بحري” إلى “الخرطوم”، وأن تقوم داخلها حربُ بسوسٍ بين “جعلي” و “شايقي ” فاضطر لمغادرتها هرباً من مقذع السباب، ثم أجلسُ قرب النافذة في حافلةٍ أخرى امتلأت بالأجساد والعرق في دقائق ثمّ انطلقت. أمال السائقُ طاقيته في خيلاء نافضاً الغبار عن لوحةٍ صغيرةٍ تدلّت أمامه من السقف مصورةً ناراً تلتهم غابةً، ثم ضغط على دوّاسة البنزين فانبعث من خارج الحافلة دخانٌ كثيف بينما انبعثَ من داخلها صوتُ مغنٍ مسفٍ يسردُ قصة لصٍ قفز فوق الحائط وسرق قلبه. انطلقت الحافلة في بطء خليق بكائن يعود إلى زمان هتلر. خطر لي حينها أنّ عمري يماثلها في عدة أشياء: هو ممتلئ مثلها بالناس، وهو مثلها منتهي الصلاحية وهناك الآلاف مثله في المدينة.
الشمسُ تكتمُ أنفاس المدينة في ثأرٍ لا مبرّر، بينما في الجوار اختبأ النيل بين شاطئيه كتلميذ باغته معلمُه بسؤالٍ عويص. تأملتُ من حولي في ضجر: عن يميني موظفٌ يقرأُ جريدةً ممزقةً يطلُّ من صفحتها الأولى عنوانٌ يقولُ ” آثار سدّ النهضة على “السودان”، أما عن يساري فتولولُ بنتُ نشل أحدُهم معاش أمها المعلمة الذي ماتت سقوطاً داخل مرحاضٍ مدرسي. طالعني أمامي وجه شابٍ طفق يقلّمُ أظافره ويخاطبُ أعداء يطلون وراء نظارته الشمسية السوداء بقوله “عليكم اللعنة يا أبناء العاهرات”. قرب الشاب جلست شابة ملفوفة القوام. بدا واضحا أن جهود جارها الستيني المتصابي في مغازلتها ضاعت سدىً إذ كانت مستغرقةً في الصياح في هاتفها مهددةً بالانسحاب من “الصندوق” إن لم تصرفه آخر الشهر، بينما استغرق درويشٌ في الحوقلة في آخر الحافلة.
داهمني نعاسٌ خفيفٌ فرأيتُ في المنام مدينة تحترقُ وناساً يهربون من بيوتهم صوب نهر النيل، لكنهم لم يجدوه، بل وجدوا أخدودًا فارغًا مكانه. لكمني أحدُهم على وجهي فاستيقظت مذعورًا. التفتُ إلى جهة اليمين حيثُ تسيرُ حافلةٌ موازية ومن وراء الزجاج أطلّ وجهُ الصبيّة. كانت تنظرُ إلى الأمام، ثم التفت إلىّ وكأن نظراتي جرحت خدها اللدن. دقّ قلبي …ذاك الذي خسر أعظم جولاته العاطفية إثر منافسة غير متكافئة مع تاجر سمسمٍ. لم يفلح الزجاج في إخفاء جمال وعنفوان عيني الصبيّة ولا امتلاء خديها. قالت لي بنات “وادي عبقر” خاصتي أنّ جسدها ممتلئ، وساقيها طويلتان كأعمدة المعابد القديمة. سرى من الصبية إلىّ عبير سجنتُه في صدري زادًا لأيام قادمات سينعدم فيها الفرح. تقدمت الحافلتان متهاديتين في تناسقٍ عجيب وترفّقت حفر الإسفلت بنا مطيلةً أمد الرحلة. تسللتُ ابتسامةٍ من شفتي الصبية إلى سنوات عمري الثلاثين المتكلسة كعظام رجل عجوزٍ. حينها همستُ لنفسي مواسياً” لم يترك لي أبي إخوةً وأخواتٍ فقراء. لم ترفض تلك المؤسسة توظيفي لأنّ من لا ظهر له في بلادي يُجلدُ على بطنه. لم تمت خالتي من الإهمال في المستشفى بسبب انعدام الدواء و” الواسطة “، ولم أفقد أخي وهو ينقّب عن الذهب في شمال السودان”.
تهادت الحافلتان على كوبري “النيل الأزرق” المتهالك فعاد صبيًا. نظرتُ والصبية إلى الموج في ذات اللحظة فتعانقت هناك صنارةٌ وسمكةٌ في محبة، وتحوّل صوت المغنى الرخيص إلى صوت ” وردى” مرتلًا ” هام ذاك النهر “. ثم لاحت الجامعة عن يميننا فرأينا الطلاب يحملون حقولاً بين أكتافهم لا رؤوس بشرية كبقية خلق الله. توغلت الحافلتان في قلب المدينة. نظرنا إلى البيوت المصطفّة على جانبي الطريق. كنتُ دوماً أرى البيوت عموماً تجسيداً للثبات البليد كونها كائنات لا تملك حق الرحيل. أما اليوم فرأيناها مباعث للدفء.
أوقفنا عسكري وطفق يحدّق في وجوهنا آمراً الجميع بالتزام الصمت والمقاعد فابتعدت الحافلة الحُلم. ومن بعيد ترجّل الجسدُ البضُّ عنها. وتدريجياً اندست القامة النخلة بين الجموع. حاولتُ أن أخرج سريعاً لألحق بها، لكن خضمّ الركاب الجدد تدافع إلى داخل الحافلة لحظة ابتعاد العسكري المجهول. استعنتُ بكل قدرتي على العراك والصراخ والتحمّل. ضربني أحدهم في معدتي فوجدتني ملقى على الأرض وقد تمزّق قميصي. نهضتُ بسرعة وتلفتُ حيث كانت محبوبتي تتهادى. لم أرها فأرسلت عينيّ تجوسان المكان وقدميّ تفتشان في حنين أم أضاعت وحيدها، لكن أربعتها عادت إليّ مهزومة والتصقت بجسدي المنهك ثانيةً.
لمحت حجرًا ناتئًا فقفزتُ عليه ومن أعلى قمم الحنين رحتُ أصيحُ بأعلى روحي ” أخرجي من بين الجمووووووع ” !!!.













