م. مامون محمد الطيب عمر .. الحلاوين
ورسمت عقارب دقيقتين أول لقاء مع المدينة ودروبها، وتمطى الجسد النحيل الذي أنهكه طول السفر، وملأ رئتيه بهوائها المنعش ساعة عصر هادئ، والشمس تلملم خيوطها، وقد انفض السامر عن سوق نهار آخر من أيامها.
المنزل الجديد يفتح يديه مرحبًا، بلون أزرق فاتح غشى مدخله الحديدي، تلك كانت أولى التجارب المرئية، فهناك، من حيث جاء الوفد، لا تحمي البيوت حرمها بهذه الصرامة البادية على محياه، إلا باب عملاق من الخشب العتيق يشمل الحوش كله.. فما الذي يخبئه المنزل لسادته الجدد، يا ترى؟
حتى الأرضية في فنائه لا تشبه تلك بالقرية، بترابها الوافر الذي كم عفر الوجوه الصغيرة اللاهية، وتسلق الأرجل حتى بلغ أعلاها، حذاء الركب، بل كانت تكتسي طبقة من الأجر الأحمر، ما تركت مرتعًا للهو المتحرر من كل قيد، رغم جمالها البادي للعيان.
تلك كانت الدهشة الثانية.
تكامل الرهط في جوف البيت، تعلو الوجوه سيماء الفرح، بعضها، وبعضها الرضا بنعمة الوصول سالمين بعد جهد السفر الطويل.
أشاعت جدة الحدث وغرابة الحال النشاط في نفوس الصغار، فأطلقوا لأنفسهم العنان بين دروبه وغرفه، يستكشفون، وتتعالى ضحكاتهم بين الفينة والأخرى، لا تقطعها إلا دهشة اكتشاف جديد.
غرف متصلة، واسطة العقد منها، وللغرابة بمدخلين، تلج الجوف من أحدهما، فيستقبلك الآخر المحدق في وجهه، ليسلمك إلى ساحة ذات فناء صغير.
ما انقضت دقائق قليلة حتى كان الصغار قد نقبوا زوايا البيت جميعًا، ووطئت أقدامهم المتعبة جل أكنافه.
صاح أحد الصغار وهو يعبث بمفتاح التصق بالجدار، لينطلق شعاع وضوء ساطع من زجاجة مستديرة علقت بالسقف، ثم يختفي.
أتى الصوت قويًا وحاسمًا: ((يا ولد، انزل تحت، أبعد إيدك من هناك)). إياك.. إياك والعبث بهذا المفتاح مرة أخرى أو الاقتراب منه.
ظل ذلك الأمر والتحذير ساري المفعول منذ لحظة صدوره، فاكتفينا بمتابعة النتائج، والتلذذ بدهشة النظر إلى تلك الزجاجة كلما أضاءت أو أخفت سرها.
تلك الدهشة الثالثة، وأول لقاء مع ساحرة الزمن الجديد.. الكهرباء.













