م. مامون محمد الطيب عمر
الحلقة (١)
كما الناس، كذلك المواضع والمدن تُعشَق أو لا .. هنا لاتوجد حلولاً بين .. بين ..
والصبح يرسل في دعة وتكاسل نسماته، تمطت الأجساد ونفضت عنها ثقل ليلة مضت. هي أخر الليالي في جوف البيت العتيق الذي شبت جدرانه الطينية على لهونا وشقوة الصغر، تماماً كما ألفت طيوف الكبار في غدواتهم ورواحهم ..
وحش من وحوش الزمن الجديد يزأر منتهكاً ساحته البكر التي ما عرفت سوى دبيب أرجلنا الحافية أو بعض حوافر عابرة ..
رويداً رويدا تكاملت الجموع وإرتفع النشيج وفاضت المأقي بدموع الوداع ..
ما عناني في كل ذلك سوى الجدار الذي إنتصب أمام ناظري .. كيف لي صعوده..
طفل ماتجاوز عامه الرابع و ماعلمت أين سأكون حتى إمتدت سواعد قوية وإرتفع الجسم النحيل في الهواء مستقراً على ظهر الوحش الذي ما أجهده زئيره المتصل ومانال منه الوقوف الطويل ولا ما إحتمل ظهره من متاع.
رحلة إمتدت وما إنفتح الذهن على معنى الزمن وإيقاعه بعد، هي صور عابرة عن معالم الطريق ترفع غلالة الإندهاش وتدغدغ مكامن التطلع نحو المعرفة ..
ما الجديد الذي ينتظر ..
أشعة شمس الظهيرة نسجت حول العيون غلالة تنسرب بين خيوطها في ومضات متتالية سريعة، مناظر تبدو مألوفة، وأخرى ما وعاها الفؤاد في سابق ما رأى..
وصل الوحش منتهاه، وصمت عن الزئير، بدأ همساً، ثم تعالت الأصوات ممن جاورني في هذه الرحلة من الأخوال والخالات يستحثون الصغار مثلي استعداداً للمغادرة.
أرجعت البصر كرتين من حيث كنت في تلك الكومة على ظهر الوحش أتفحص المكان الذي بدأ مكسواً بأشكال والوان مختلفة فالمنازل متراصة ومرتبة خلاف الحال بالقرية والطرق بينها سالكة..
الطريق الذي إنتحي جانبه الوحش، سجل إحداثياته في الذاكرة البكر بهيئته الغريبة وقد إكتسى بلون أسود وإمتد أمام ناظري كبساط يتلاشى في الأفق البعيد تحتضنه البنايات الملونة الأنيقة في جوفها كلما أسرف بعداً..
غير أنه بالقرب كان يموج بالحركة فتمر مركبات صغيرة بين الفينة والأخرى مسرعة يطردها طالب لا أراه..
تلك كانت أولى لحظات اللقاء الذي امتد عقوداً منذ مطلع ستينات القرن الماضي مع مدينة ودمدني التي إنتقلت إليها معية جدتي وخوؤلتي في مرفئهم الجديد ..
** كتبت هذه الخواطر بين عامي ٢٠٠٩/٢٠٠٨
يتبع ..













