من أوجاع الحرب (4)
الزبير نايل
جاء إلى الدنيا بخفة النسيم ووضاءة القمر .. فتى رباه والداه بحب وصبر كأنهما ينحتان صخرة يتكئان عليها في خريف العمر.
حين كان طفلا يأتي أحيانا إلى مباني التلفزيون مع والده الأخ محمد أبشر مدير الأخبار وأحيانا مع والدته المخرجة الأخت حنان إدريس…هناك عرفناه طفلا هادئا مطيعا، يوزع ابتسامته ببراءة صافية حتى نشأت بيننا وبينه علاقة أقرب إلى الأبوة. كنا نراه يكبر أمام أعيننا عاما بعد آخر، ووالداه يقابلان كلمات الإطراء على فلذة كبدهما بابتسامة الرضا والفخر.
كبر الفتى الذي نشأ على عصامية والده، وتخرج من الجامعة وفي عينيه بريق كل المستقبل.. بعد عدة سنوات جاء إلى الدوحة حاملا طموح الشباب وقلق بداية رحلة الحياة، لكنه لم يمكث طويلا رغم إلحاحي عليه بالبقاء؛ إذ آثر العودة إلى أرض الوطن.. إلى البيت الأول… إلى جدران الذكريات ودفء العائلة.
ثم اندلعت الحرب المشؤومة…
وفجأة صار الوطن ساحة للفجيعة.
اختار وضّاح أن يبقى في بيت الأسرة حارسا له من غدر الأوغاد ومستعصما بجدرانه التي شهدت طفولته وضحكاته الأولى.
وبعد أيام انقطع أثر وضاح وسكت هاتفه..
أيام ثقيلة تنوء بكل الهواجس والظنون، والمدينة المحترقة لا تجيب إلا بنفثات دخانها الأسود. القلق يخنق صدر والديه، والأهل والزملاء يتقلبون بين الخوف والدعاء.
بدأت رحلة البحث…
رحلةٌ مضنية.. موحشة.. تطارد الأمل في الأزقة المهدمة والبيوت الصامتة وتسأل الجدران والطرقات وتتشبث بخيط الرجاء.
في الثالث والعشرين من نوفمبر عام ألفين وثلاثة وعشرين انكشف الخبر الفاجع…
المليشيا الحاقدة تختطف وضاح وتغتاله ظلما وعدوانا بعد أن صبّت عليه وحشيتها ومارست معه صنوف التنكيل والعذاب.
رحل الفتى الوضّاح…
لكن الفاجعة لم تنته عند ذلك الحد.
كانت الأجواء خانقة والخرطوم غارقة في الظلم والظلام والاعتساف… تم دفن جثمان وضّاح المغدور حيث كان ..
ومنذ ذلك اليوم ظل الحزن معلقا في الحلوق والقلوب…
حتى جاء الأربعاء الماضي من شهر أبريل هذا، ليفتح الجرح من جديد ويشعل النار في كومة الأحزان.. تم نبش قبر وضّاح لتتم مواراته مرة أخرى بما يليق بإنسان ظلمته الحرب واغتالته الوحشية.
يا الله…
كم من العمر يلزم ليهدأ وجع أب يرى ابنه يُدفن مرتين؟
وكم من الصبر تحتاجه أمٌّ لتصدق أن بدرها قد احتجب؟
ربط الله علي قلبيهما …
وضّاح…
لم يكن رقما في سجل الحرب ولا خبرا عابرا في نشرات الأخبار.
كان حلما كان أملا وغدا مؤجلا…
كان قلبا ينتظر أن يطرق باب الحياة..
كان أبا وأما في انتظار صوته ليبدد الوحشة ويملأ فراغات الروح.
دُفن وضاح مرتين…
لكن الحزن الذي خلفه عند والديه وأحبابه لا قبر له..













