بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
كان عليَّ أن أغادر وطني عبر مطار الخرطوم نفسه بعد أن تيسّرت لي سبل ذلك، وتجاوزت كوبري الجامعة وجئت إلى بقاعٍ لي فيها ذكريات قديمة منذ عهد الدراسات العليا والترجمة. هذه السوح شهدت أحداثًا دامية إبان الثورة، ومسجد الجامعة الذي أحاط به شجر اللبخ يقف شاهدًا على عنف الإنسان ضد أخيه الإنسان، والقيادة العامة كل طوبة من مبانيها وكل ذرة من ترابها تحكي فصول رواية سطرها رجال ثبتوا أقدامهم في أرضها، وصمدوا وهم يواجهون جحافل المرتزقة ببسالة لم يشهدها التاريخ القريب، وابتسموا للموت وهم بين فكيه!
المطار واجهته الغربية لا تنبئ بدمار كبير إثر المعارك الدامية، وصالة المغادرة تنسيك أجواء الحرب لولا وجوه المسافرين الحذرة المهمومة بوطن ما زال ينزف وغربة امتدت وطالت. وأنا واحد منهم. ما زالت تتملكني الحيرة لما حدث ويحدث. لماذا يقتل شاب مدجج بالسلاح ألفي مواطن أعزل؟ ولماذا تنتهك الأعراض والأموال والممتلكات؟ أمن أجل شهوة الحكم؟ وكيف تحكم وطنًا وأنت أهلكت بشره وشجره؟
قال لي صديقي الصدوق (الصادق) إن هؤلاء “ضربوا ابن الفتيح في رجله بالرصاص ومنعوا أهله من إسعافه وتركوه ينزف حتى أسلم الروح. وقال لي عثمان إنهم “قفلوا ابن الفكي في الحمام وتركوه بدون ماء أو طعام حتى قضى”. ثم إنهم ربطوا “الكدمول” حول رقبة ود سعد وصبوا في أنفه الماء حتى شرق ومات.
ترى هل هذه المآسي يمكن أن تُنسى؟ وإذا كانت الإجابة بنعم، فكم عامًا يحتاج الناس لنسيانها؟ وأولئك المشردون متى يعودون؟ والمفقودون أين هم؟ كم من أم مكلومة وأب حزين يرجو عودة ابنه الغائب.
أخرجني مما أنا فيه نداء المذيعة لنتوجه إلى بوابة الخروج وركوب الطائرة، وقبل أن أمتطي الباص سجدت على الأسفلت سجدتي شكر لله أنني مسافر من هنا، وأن المطار عاد ليعمل، وأننا حتى الآن لم نواجه تهديد طائرة مسيرة.
ورددت قول شوقي:
ويا وطني لقيتك بعد يأس..
كأني قد لقيت بك الشبابا
ثم نظرت ساحات المطار حيث بدأ تعبيد المدرجات بالأسفلت، لكن الحشائش “الغبشاء” ما زالت تنتشر هنا وهناك، وبعيدًا من هنا طائرات محترقة ما تزال رابضة لم يزلْها أحد، والمباني بين القيادة العامة والمطار تحولت إلى أنقاض. لم يبق شيء إلا نخلة وحيدة لوّح لي جريدها الكث، لا أدري كيف صمدت في وجه الرصاص والقذائف والعطش. ورأيت من هنا بري وامتداد ناصر وشارع عبيد ختم الذي دبت فيه حركة تقول إن الحياة تعود للخرطوم وإن كان ذلك ببطء وحذر وأمل. وحينما علت الطائرة مباني الخرطوم رأيت النيل يجري صابرًا صامدًا فقلت في نفسي إن السودان قد يكبو لكنه لن يموت وسينتصر بحول الله وقوته.













