بلا ميعاد: عوض أحمد عمر
▪️
- يبدو أن كرة القدم السودانية، في تاريخها القديم والحديث، لم تُبتلَ باتحاد جمع بين ضعف الفعل، بل غيابه، وكثرة التعويق، مثلما ابتُليت باتحادها الحالي الذي يترأسه الدكتور معتصم جعفر ونائبه أسامة عطا المنان، وجيش جرار من الإداريين واللجان المساعدة ولجان الظل (وعفلق).
- اتحاد لم يكتفِ بالغياب عن ساحات العمل الموجب، والعجز عن الاضطلاع بموجبات التكليف الملزم وواجب المسؤولية، وإنما تجاوز ذلك ليصبح عائقاً أمام الأندية التي أجبرها عجز الاتحاد على ركوب الصعب.
- الأصل في اتحاد كرة القدم أن يكون الجهة المسؤولة عن إدارة شؤون اللعبة وتطويرها، وتنظيم منافساتها، وحماية مصالح أنديته، وتيسير سبل إعدادها وتمكينها من أداء أدوارها على المستويين الداخلي والخارجي.
- لكن واقع الحال يكشف أن ناديي القمة، الهلال والمريخ، كانا أمام واقع فرضه توقف النشاط واضطراب المنافسات المحلية، فاضطرا إلى البحث عن فرص للمشاركة خارج السودان، حفاظاً على استمرارية النشاط، وجاهزية اللاعبين، واستعداد الفريقين للمنافسات الأفريقية.
- ولم يلجأ الهلال والمريخ إلى تجربة اللعب خارج السودان إلا اضطراراً، بعد أن فرضت الحرب توقف النشاط المحلي، وزاد من أثر ذلك عجز الاتحاد عن توفير منافسة منتظمة تحفظ للأندية استمرارية نشاطها.
- فكان الخيار المر البحث عن بديل تنافسي خارج البلاد، بدءاً بالتجربة في موريتانيا، ثم الانتقال إلى المشاركة في الدوري الرواندي، حفاظاً على الجاهزية الفنية واستعداداً للاستحقاقات الأفريقية.
- كان المأمول أن يسعى الاتحاد إلى تنظيم منافساته أو أن يقف خلف هذه الاجتهادات، وأن ينظر إليها باعتبارها حلولاً استثنائية فرضتها ظروف استثنائية، لا أن يتحول إلى جهة تضع العراقيل أمامها.
- ومن هنا تبدو الأخبار المتداولة عن تدخل الاتحاد لفرض قيود خاصة على مشاركة الهلال والمريخ في المنافسة الرواندية، وتحديد عدد معين من اللاعبين الأجانب أو المجنسين، مثيرة للاستغراب والأسف.
- الهلال والمريخ لا يذهبان إلى رواندا بحثاً عن بطولة تضاف إلى السجلات، بقدر ما يبحثان عن منافسة منتظمة وإعداد حقيقي لدوري أبطال أفريقيا.
- وبالتالي، فإن فرض قيد سوداني خاص على تشكيلتيهما، لا تخضع له الأندية الرواندية التي يواجهانها، من شأنه أن يخلق خللاً واضحاً في تكافؤ الفرص، ويحرم الناديين من الاستفادة الكاملة من قوتهما الفنية ومن اختبار تشكيلتهما الأفريقية.
- والأغرب أن الاتحاد الذي يجد الوقت لملاحقة تفاصيل نشاط الأندية خارجياً، دون أن يخجل من تقصيره الداخلي، لم ينجح حتى الآن في إغلاق أحد أكثر الملفات المحلية حساسية بصورة تنهي الجدل وتحفظ هيبة المنافسة.
- لقد تحولت بطولة الدوري نفسها من مسابقة يُفترض أن تُحسم داخل الملعب إلى ملف تتنازعه القرارات والطعون والاستئنافات.
- الهلال أنهى دوري النخبة متصدراً بعد فوزه على المريخ، ثم أصدرت لجنة الاستئنافات قراراً غيّر نتيجة مباراة القمة ومنح اللقب للمريخ على خلفية النزاع حول أهلية عدد من لاعبي الهلال ووضعهم في لوائح الأجانب.
- وتقدم الهلال رسمياً بطلب فحص للقرار منذ يوليو، مدعوماً بمذكرة قانونية ومستندات تؤيد موقفه.
- بل إن تقارير لاحقة تحدثت عن وصول اللجنة إلى المراحل الأخيرة من دراسة الطلب، وعن توقع صدور القرار خلال فترة قصيرة، ومع ذلك ظل الملف موضع ترقب وتساؤل.
- ويبقى التساؤل المشروع: لماذا يتأخر حسم طلب الفحص في قضية تحدد بطل أكبر مسابقة في السودان؟ أم لأن قرار لجنة الاستئنافات جاء على هوى قيادات الاتحاد؟
- هل المسألة مجرد بطء إداري؟ أم خلاف داخل اللجنة؟ أم أن هناك ما ينبغي على الاتحاد أن يخرج ويوضحه للرأي العام؟
- والأكثر إثارة للتساؤل أن الزين الدخيري، المرتبط بلجنة الاستئنافات، يعمل أيضاً ضمن الجهاز الفني لمنتخب الشباب، وقد أعلن الاتحاد نفسه في أبريل تعيينه مساعداً لخالد بخيت في الجهاز الفني للمنتخب. فإذا كانت ارتباطاته الفنية قد امتدت لاحقاً إلى قيادة تدريبات المنتخب بسبب اعتذار المدير الفني، فإن ذلك يطرح سؤالاً مهماً: هل تعاني مؤسسات الاتحاد من نقص في الكفاءات إلى درجة تداخل المهام العدلية والفنية؟ وألا يُفترض أن تكون اللجان العدلية متفرغة ومستقلة وقادرة على الفصل في القضايا الحساسة بالسرعة التي تحفظ الحقوق؟
▪️ آخر الكلم ▪️
- المشكلة لم تعد في قرار هنا أو خطأ هناك… المشكلة في طريقة إدارة كرة القدم السودانية نفسها.
- اتحاد يعجز عن توفير منافسة مستقرة لأنديته، ثم يلاحق الأندية عندما تبحث بنفسها عن البدائل.
- بطولة تنتهي داخل الملعب ولا ينتهي الجدل حول بطلها.
- لجان عدلية تتأخر في حسم ملفات لا تحتمل التأخير.
- ومسؤوليات تتداخل حتى يصبح السؤال: ما هي الجهة الخفية التي تدير الاتحاد وإلى أين تقوده؟
- ثم أين مجالس إدارات الأندية من كل هذا الابتلاء؟
- إلى متى تقبل أن تُدار مصالحها بهذه الطريقة، وأن تتحول حقوقها وبرامج إعدادها إلى رهينة قرارات مطبخها بالخارج واجتهادات في كيفية تزيين الخطأ؟
- لقد ابتُليت الكرة السودانية بالحرب وفقدت الملاعب والجمهور والاستقرار، وكان يكفيها كل ذلك… فلا تجعلوا اتحادها بلاءً آخر فوق هذا البلاء، وعائقاً جديداً فوق كل ما يعوقها، وكفى.











