بلا ميعاد
عوض أحمد عمر
- في زمن تتزاحم فيه الأسماء وتندر فيه القامات وأصحاب القبول، يظل الأستاذ الرشيد بدوي عبيد واحدًا من تلك الشخصيات التي صنعت حضورها بالاجتهاد والمعرفة والمهنية العالية، حتى أصبح اسمًا راسخًا وعلامة مضيئة في سماء الإعلام السوداني، ومدرسة متفردة قدمت أجيالًا من الإعلاميين والصحفيين.
- الحديث عن الرشيد بدوي ليس حديثًا عن معلق رياضي من أصحاب الحضور والتميز فحسب، وإنما عن تجربة مهنية متكاملة امتدت لعقود، جمعت بين التعليق الرياضي والصحافة والإدارة الإعلامية، فكان في كل موقع يترك بصمة لا تخطئها العين وأثرًا يصعب تجاوزه.
- في مجال التعليق الرياضي، استطاع الرشيد أن يؤسس لنفسه مكانة استثنائية بين كبار المعلقين.
- لم يكن صوته مجرد ناقل لأحداث المباراة، بل كان نافذة يطل منها المستمع على تفاصيل الملعب وأجوائه، بمهنيته العالية وثقافته الرياضية الواسعة وحياديته الراسخة التي لم تتأثر بالألوان والانتماءات.
- كان قادرًا على أن يجعل المستمع يعيش تفاصيل المباراة لحظة بلحظة، وكأنه يجلس في المدرجات أو يتابعها عبر شاشة التلفاز.
- لقد تميز بأسلوب خاص جمع بين المعلومة والتحليل والمتعة، فكان يقرأ تفاصيل المباراة بعين الخبير، ويقدمها بلغة رصينة وأداء متزن، الأمر الذي جعله محل احترام مختلف الأندية والجماهير والرياضيين على اختلاف انتماءاتهم وميولهم.
- أما في المجال الصحفي، فقد كانت مساهماته وإضافاته المهنية كبيرة ومؤثرة، ويكفي أن نتذكر دوره البارز في صحيفة “عالم النجوم” خلال عهدها الذهبي، حين كانت واحدة من أكثر الصحف الرياضية حضورًا وتأثيرًا.
- لم يكن الأستاذ الرشيد مجرد قيادي في مؤسسة صحفية، بل كان أستاذًا وموجهًا ومرجعًا لكل من عمل معه.
- وقد سعدت، على المستوى الشخصي، بالعمل إلى جانبه مديرًا للتحرير في تلك الفترة الزاهية من تاريخ الصحيفة، وسط نخبة من الصحفيين والإعلاميين المؤثرين والمتميزين.
- وكان الرشيد بالنسبة لنا جميعًا نموذجًا للقيادة الهادئة والملهمة والحكمة المهنية، لا يبخل بالنصح ولا يتردد في دعم زملائه ومساندتهم، مؤمنًا بأن نجاح المؤسسة يبدأ من نجاح أفرادها.
- ومن أبرز ما يميز الرشيد بدوي شبكة علاقاته الواسعة والممتدة داخل الوسط الإعلامي والرياضي، بل وخارجه.
- علاقات بُنيت على الاحترام المتبادل والمصداقية وحسن الخلق، ولذلك ظل بعيدًا عن الصراعات الشخصية والخلافات الصغيرة التي كثيرًا ما تعصف بالمجالات العامة.
- فهو يحظى بتقدير الجميع، سواء على مستوى الزملاء أو الرياضيين أو الإداريين أو مختلف مكونات المجتمع الرياضي.
- وهو وطني حتى النخاع، لا يعرف المساومة في القضايا التي يؤمن بها، ولا يجامل على حساب قناعاته.
- وفي الوقت نفسه يمتلك مساحة واسعة من التسامح والاحترام للآخرين، حتى أولئك الذين يختلفون معه في الرأي أو الموقف.
- وهي خصال لا تجتمع كثيرًا إلا في أصحاب القبول والتجارب العميقة والرؤية الناضجة.
- ولقد تابعت، كما تابع كثيرون، بعض الكتابات الطائشة والمواقف الخجولة التي استهدفت الأستاذ الرشيد مؤخرًا بسبب آرائه الصريحة وانتقاداته لبعض المواقف الصادرة من بعض المغنين، حين ذكّر بحقيقة بسيطة وواضحة مفادها أن المواقف الوطنية لا تقبل التجزئة والانقسام، وأن الفن رسالة إطارها المرجعي الوطن، وأن الوقوف مع الحق في معركة الدفاع عن الوطن هو موقف يرتبط بالوعي والمسؤولية والضمير الوطني.
- غير أن تلك السهام التي أُطلقت على عجل وبروحٍ حاقدة لم تستطع أن تنال من قامته أو مكانته، لأنها ببساطة كانت عارية من الحجة والمنطق، فارتدت إلى أصحابها، وبقي الرشيد كما عرفه الناس دائمًا، ثابتًا على مواقفه، شامخًا في حضوره، منحازًا للحق كما يراه، ومتسامحًا حتى مع الذين أساؤوا إليه أو ظلموه دون بينة أو وعي.
- إن أصحاب القامات لا تُقاس قيمتهم بضجيج حملات الاستهداف اليتيمة، وإنما بما يتركونه من أثر إيجابي في الناس والوطن.
▪️ آخر الكلم ▪️
- في الحياة العامة رجال لا تصنعهم المناصب ولا ترفعهم الألقاب، بل تخلدهم مواقفهم وما يتركونه من أثر في الناس.
- والأستاذ الرشيد بدوي عبيد واحد من هؤلاء الذين اختاروا أن يكونوا منحازين للحقيقة، أوفياء لمهنتهم، وصادقين مع وطنهم.
- فقد بنى اسمه بالصوت المسؤول والكلمة النزيهة والموقف الشجاع، فاستحق مكانته في وجدان زملائه وتلاميذه وجمهوره العريض.
- وإذا كانت حملات الإساءة العابرة قادرة على إثارة الضجيج لبعض الوقت، فإنها تبقى عاجزة عن النيل من أصحاب القامات الراسخة الذين صنعتهم سنوات طويلة من العطاء والعمل الشريف.
- فالقيم لا تهزمها الشتائم، والمواقف لا تسقطها حملات التشويه، والتاريخ لا يكتبه الغاضبون في لحظة انفعال، بل يكتبه الذين يواصلون العطاء بإخلاص وثبات.
- لهذا سيبقى الرشيد بدوي عبيد اسمًا حاضرًا في ذاكرة الإعلام السوداني، ومدرسة مهنية يتعلم منها القادمون، وصوتًا ارتبط بالصدق والحياد والاحترام، ووعيًا أدرك أن الأوطان تبقى فوق الخلافات، وأن الانحياز للحق لا يحتاج إلى اعتذار.
- وتلك هي المكانة التي لا تمنحها الأضواء، بل تصنعها السيرة الطيبة والمواقف النبيلة، ويشهد عليها الناس قبل أن يسجلها التاريخ.
Omeraz1@hotmail.com













