مشاركة
أحمد حسن حيمورة
الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تقنية لتحسين الصور و (تسميحها) أو للاستدعاء النستالوجى الذى أشرنا إليه فيما سمىّ بترند السبعينات ، بل أصبح عاملاً فاعلاً في إعادة تشكيل الذوق الجمالي نفسه، وبالتالي التأثير على ما يمكن تسميته بـ”الهوية البصرية” للمجتمعات. وفي السياق السوداني، حيث تتداخل الأزياء مع الرمزية الاجتماعية والثقافية بشكل عميق، يطرح هذا التحول أسئلة جوهرية حول المستقبل القريب جداً؛ هل نحن أمام تحديث للهوية أم إعادة صياغة لها وفق معايير خارجية؟.
تاريخياً، تشكّلت الأزياء السودانية – مثل (التوب، الجلابية، والعمّة) – عبر تفاعل طويل بين البيئة والمجتمع. فهي ليست مجرد ملابس، بل عواكس لقيم تتعلق بالوقار، والانتماء، والمكانة الاجتماعية، ونوع المناسبة. وقد كانت القاعدة الشعبية، بما تحمله من تنوع ثقافي وجغرافي، هي المصدر الأساسي لهذا الإبداع؛ حيث تتولد الأشكال من الحياة اليومية، ومن الحاجة، ومن الحس الجمالي غير المتكلف.
غير أن هذه الأشكال لا تبقى ثابتة في موقعها الشعبي، بل تدخل في دورة اجتماعية معروفة: تتلقفها الفئات المتطلعة القادرة ، فتعيد صياغتها، وتضفي عليها عناصر ترف وتميّز، سواء عبر الخامات أو الزخارف أو سياقات الاستخدام. وهكذا تتحول الأزياء من تعبير شعبي إلى رمز طبقي، ثم تعود مرة أخرى إلى القاعدة الشعبية في شكل معدل. هذه الدورة كانت بطيئة نسبياً في الماضي، وتخضع لإيقاع المجتمع.وأقصى مدى وصلته التحديثات لا يخرج عن استخدام الباترونات و استخدام اجهزة أحدث للقص و الحياكة و تنوع الغرز و تجميل العراوى و تثبيت الازرار.وهى أدوات تعتبر بطيئة نسبياً.
و اليوم، يدخل الذكاء الاصطناعي ليُسرّع هذه الدورة بشكل غير مسبوق.
فالخوارزميات، المدربة على ملايين الصور، لا تكتفي بتحسين الصورة، بل تعيد إنتاجها كما أسلفنا وفق نموذج جمالي إحصائي؛ ألوان أكثر تشبعاً، أقمشة أكثر انسياباً، تفاصيل أكثر وضوحاً، وخلو شبه تام من العيوب. وعندما تُطبق هذه المعايير على الأزياء السودانية، فإنها تنتج “نسخة مثالية من التوب أو الجلابية أو العمّة،نسخة قد لا تكون موجودة في الواقع، لكنها تبدو -بصرياً-أكثر جاذبية.
و من هنا يبدأ التحول؛ فهذه النسخ المحسّنة لا تبقى في حدود الصورة، بل تتحول إلى مرجع ذهني. يبدأ الناس في قياس الواقع عليه، ويتوقعون من الخياط أو المصمم أن يحقق ما رأوه رقمياً. ومع تطور أدوات التصميم، أصبح بالإمكان تحويل هذه الصور إلى (باترونات) فعلية، مما يقرب المسافة بين الخيال الرقمي والمنتج المادي.
لكن هذه العملية لا تخلو من اشكالية ما ، فالذكاء الاصطناعي لا “يفهم” الثقافة بقدر ما يتعامل مع أنماط متكررة في البيانات. وإذا كانت هذه البيانات منحازة إلى نماذج جمالية عالمية، فإن النتيجة قد تكون ميلاً نحو توحيد الذوق، وتقليل الخصوصية المحلية. وهنا يكمن الخطر فى أن تتحول الهوية البصرية من تعبير عضوي عن المجتمع إلى انعكاس لمعايير رقمية ، مهيمنة.وهو ما يمكن السماح به فقط فيما يتعلق بما جرت تسميتة باللبس الأفرنجى مثل البدل و غيرها.باعتبارها ازياء عالمية موحدة.
في المقابل، لا ينبغي النظر إلى التحول المذكور بوصفه تهديداً خالصاً. فالتاريخ نفسه يبين أن الهوية ليست ثابتة، بل تتطور عبر التفاعل مع مؤثرات متعددة. الجديد هنا هو سرعة التأثير واتساع نطاقه. وهذا يفتح أيضاً إمكانات إيجابية، إذا ما أُحسن استغلالها.
فالحرفي السوداني، على سبيل المثال، يمكن أن يتحول من منفّذ تقليدي إلى وسيط ذكي بين العالم الرقمي والواقع. كما يمكنه أن يستخدم أدوات التصميم الحديثة لتطوير منتجاته، وأن يصل إلى أسواق خارجية، وأن يقدّم الأزياء السودانية في صورة عصرية دون فقدان روحها. كما يمكن توثيق الأزياء التقليدية رقمياً، وحفظ تنوعها، وإعادة تقديمها بطرق مبتكرة.
يبقى العامل الحاسم في كل ذلك هو الوعي؛ وعي المجتمع بقيمة تراثه، ووعي النخبة بمسؤوليتها، ووجود سياسات تعليمية واقتصادية تدعم هذا الانتقال. فبدون ذلك، قد تتعمق الفجوة بين من يملك أدوات التقنية ومن لا يملكها، وقد تُفرض نماذج جمالية لا تعبّر عن الواقع المحلي.
في النهاية، لا يعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل الهوية البصرية من تلقاء نفسه، بل يفعل ذلك من خلالنا: من خلال ما نختاره، وما نقبله، وما نعيد إنتاجه. والسؤال الحقيقي ليس: ماذا سيفعل الذكاء الاصطناعي بالزي السوداني؟ بل: كيف سيختار السودانيون استخدام هذه الأداة ، هل للحفاظ على هويتهم أم لإعادة تعريفها؟
و هل سيرتقى الحرفى (الترزى) السودانى بمستواه العلمى و بعمله الى تحديات التصميم المواكب للذكاء الاصطناعى بامكاناته الجارفة المتسارعة؟. و هل سنشهد تحولاً من التصميم الحرفي المتوارث عبر الأجيال، الى التصميم الخوارزمي المتجدد؟.
إن الإجابة على هذا السؤال ستحدد ملامح الأجيال القادمة، ليس في ما يرتدونه فحسب، بل في الطريقة التي يرون بها انفسهم فى المرآة او ربما فى شئ آخر أو (مصيبة) أخرى غير المرآة….هذا اذا سارت امورنا كما نريد لها أن تسير.و لم تخترع ألة يُدخَل فيها الإنسان عارياً و يخرج و قد تزيأ باحسن و أجمل الأزياء.













