الزيارة المفاجئة كشفت ما أخفته الاستعدادات

علي الريح يستعيد مواقف مثيرة من زيارات الرئيس الراحل للوحدات العسكرية
الرئيس تفقد حمامات الجنود وأماكن غسل ملابسهم
غادر البرنامج الرسمي واتجه إلى التفاصيل المنسية
ثلاثة أيام كانت كافية لتغيير المشهد
جولة واحدة امتد أثرها إلى مختلف الأسلحة
نميري كان يبحث عن الأماكن البعيدة عن أعين الضيوف
إبراهيم عوض ـ آكشن سبورت
كانت زيارات الرئيس الراحل جعفر محمد نميري إلى وحدات القوات المسلحة تحمل في كثير من الأحيان عنصر المفاجأة، حتى عندما تكون الزيارة معلنة وبرنامجها معروفًا مسبقًا. فقد كان، بحسب رواية الزميل الإعلامي علي الريح الذي رافقه في كثير من الزيارات عندما كان مديرا للبرامج في التلفزيون القومي ، يميل إلى الخروج عن المسار المعد له، والذهاب إلى أماكن ربما لم يتوقع المسؤولون أن تكون ضمن اهتمام رئيس الجمهورية.
ومن بين الذكريات التي بقيت عالقة في الذاكرة، زيارة إلى سلاح الإشارة بمنطقة كوبر، تحولت تفاصيلها من جولة رئاسية عادية إلى قصة ظلت تُروى طويلًا، بعدما قادت إلى تغييرات لم تتوقف عند حدود الوحدة العسكرية التي زارها نميري، بل امتدت إلى وحدات أخرى في العاصمة.
حمامات الجنود
كان الإخطار قد وصل بأن الرئيس سيزور سلاح الإشارة في اليوم التالي، فتحركت فرق العمل وبدأت الاستعدادات. جرى تنظيف الموقع وطلاء بعض مرافقه بالجير والدهانات، وتهيأت الوحدة لاستقبال الرئيس بالصورة التي تليق بالزيارة.
وكان البرنامج واضحًا: يصل نميري، ويتلقى التحية العسكرية عند البوابة الرئيسية، ثم يتوجه إلى مدرسة الإشارة للاطلاع على عمليات تدريب الجنود، وبعدها يلتقي الضباط والجنود، قبل أن يختتم جولته بتناول الإفطار في منزل الضباط.
كل شيء كان مرتبًا وفق البرنامج.. لكن نميري كان له برنامج آخر.
وصل الرئيس برفقة وفده، وتلقى التحية العسكرية عند البوابة، وكان في استقباله قائد سلاح الإشارة وقتها منير حمد، الذي كان من دفعة نميري العسكرية.
وبعد انتهاء مراسم الاستقبال، كان الجميع يتوقع أن يتوجه الرئيس مباشرة إلى مدرسة الإشارة، كما هو مقرر في البرنامج الرسمي، لكنه فاجأ مرافقيه بتغيير وجهته.
اتجه نميري إلى حمامات الجنود.
كانت المفاجأة كبيرة، ليس فقط لأن الحمامات لم تكن مدرجة ضمن برنامج الزيارة، وإنما لأن حالتها لم تكن بالمستوى الذي ظهرت به بقية مرافق الوحدة التي جرى تجهيزها لاستقبال الرئيس.
دخل نميري إلى المكان وعاين الحمامات بنفسه. كانت، وفق الرواية، في حالة سيئة، وتعاني مشكلات في النظافة والتصريف، ولا تتناسب مع الاستخدام اليومي للجنود.
فتح أحد الحمامات ونظر إلى حاله، ثم التفت إلى قائد السلاح مستفسرًا عن إمكانية استخدام الجنود لهذه المرافق بهذه الصورة.
لم تتوقف الجولة المفاجئة عند الحمامات.
اتجاه مختلف
انتقل نميري بعدها إلى الأماكن المخصصة لغسيل ملابس الجنود، ليجد أن الأحواض المستخدمة في الغسيل متضررة وبعضها مكسور. وعاد ليسأل عن الكيفية التي يستطيع بها الجندي غسل ملابسه في مثل هذه الظروف.
عندها، كان واضحًا أن الزيارة أخذت اتجاهًا مختلفًا تمامًا عن البرنامج المعد مسبقًا.
لم يتوجه الرئيس إلى مدرسة الإشارة، ولم يعقد اللقاء المخطط له مع الجنود والضباط، كما لم يتناول الإفطار الذي أُعد له في منزل الضباط.
فتح باب سيارته وغادر سلاح الإشارة.
لكن القصة لم تنته عند بوابة الوحدة.
سرعان ما تحركت التوجيهات لمعالجة ما شاهده الرئيس، وبدأ العمل بصورة عاجلة في تطوير حمامات الجنود ومرافق الغسيل. ووفقًا للرواية، لم تمر سوى أيام قليلة حتى بدأت عمليات التغيير، ولم تقتصر على سلاح الإشارة وحده، بل امتدت إلى عدد من الوحدات والأسلحة الموجودة في العاصمة.
جرى استبدال المرافق القديمة بأنظمة صرف أفضل، وتجهيز الحمامات بصورة حديثة، إلى جانب تحسين الأماكن المخصصة لغسيل ملابس الجنود.
وهكذا تحولت زيارة كان يفترض أن تكون بروتوكولية إلى سبب مباشر في تحسين جانب من الحياة اليومية للجنود.
عودة سريعة
وبعد نحو أسبوع، عاد نميري مرة أخرى إلى سلاح الإشارة.
هذه المرة كان يعرف أن الملاحظات التي سجلها خلال زيارته الأولى قد تمت معالجتها. وبعد الاطمئنان على ما تم إنجازه، مضى في البرنامج المعد للزيارة، والتقى الجنود وخاطبهم.
وتركت الواقعة أثرًا تجاوز سلاح الإشارة نفسه، إذ أصبحت الوحدات العسكرية أكثر اهتمامًا بالمرافق التي يستخدمها الجنود يوميًا، خصوصًا الأماكن البعيدة عن مسارات الزيارات الرسمية.
فالدرس الذي خرج به المسؤولون كان بسيطًا: الرئيس قد لا يذهب إلى المكان الذي أعددته له، وإنما إلى المكان الذي لم تتوقع أن يراه.
وظلت تلك واحدة من الذكريات اللافتة المرتبطة بجولات نميري الميدانية؛ إذ لم تكن الزيارة، بحسب الرواية، بحثًا عن مشهد معد للكاميرات بقدر ما تحولت إلى تفتيش للتفاصيل التي تمس حياة الجندي مباشرة.
رحم الله الرئيس جعفر محمد نميري، وغفر له، وتبقى مثل هذه الروايات جزءًا من ذاكرة مرحلة مهمة من تاريخ السودان، تُروى بما لها وما عليها، وتحفظ تفاصيل زمن وشخصيات وأحداث ما زالت حاضرة في ذاكرة من عاصروها.













