أسس القسم الرياضي بالإذاعة وأرسى مدرسة خالدة



المهنية والحياد صنعا مكانته.. ومن «ربوع السودان» بدأت الرحلة
حوّل وصف المباريات إلى مشاهد أمام المستمعين
رافق المنتخبات والأندية ونقل صوت السودان خارجياً
ظل انتماؤه لمدينة الغريبة حاضراً حتى سنواته الأخيرة
عماد أحمد ـ آكشن سبورت
هناك أصوات لا يغيب صداها برحيل أصحابها، لأنها تتحول بمرور الزمن إلى جزء من ذاكرة الناس وتاريخ الوطن، ومن بينها صوت الإعلامي الراحل الأستاذ علي الحسن مالك، أحد أبرز رواد الإذاعة السودانية والتعليق الرياضي، وصاحب تجربة امتدت لعقود من العطاء والإبداع. منذ التحاقه بالإذاعة السودانية عام 1955م، تنقل بين أقسامها حتى وجد في الميكروفون فضاءه الرحب، فقدم الأخبار، وابتكر برنامج «من ربوع السودان»، وأسهم في اكتشاف مواهب فنية عديدة، قبل أن يصنع اسمه بقوة في مجال التعليق الرياضي. ولم تتوقف بصماته عند حدود الوصف الممتع للمباريات، بل امتدت إلى تأسيس القسم الرياضي والمساهمة في انطلاقة برنامج «عالم الرياضة»، الذي أصبح مدرسة تخرج فيها العديد من نجوم الميكروفون. وبصوته المميز وثقافته الواسعة وحياده المهني، نقل للمستمع السوداني أحداث الملاعب من داخل البلاد وخارجها، وصنع تجربة إعلامية رائدة بقي أثرها حاضراً بعد رحيله، شاهداً على مسيرة رجل وهب حياته للإذاعة والرياضة والوطن.
البدايات الأولى
وُلد الإعلامي الراحل الأستاذ علي الحسن أحمد مالك عام 1935م بمنطقة الغريبة بمحافظة مروي في الولاية الشمالية، ودرس في خلوة الشيخ محمد بن صديق، وتلقى تعليمه الأولي بمدرسة كورتي، والمتوسط بمدرسة الكلية القبطية بالخرطوم بحري، والثانوي بمدرسة الكلية القبطية بالخرطوم.
عمل مدرساً بمدرسة الفلاح بمدينة أم درمان، ثم التحق بالإذاعة السودانية عام 1955م مع زميله الراحل الأستاذ محمد خوجلي صالحين. وكان الملتحق بالإذاعة في تلك الفترة يمر على جميع أقسامها ويتعرف عليها، قبل أن يلتحق بالقسم الأنسب له.
بدأ علي الحسن مالك مسيرته في قسم الالتقاط الإخباري، ثم عمل محرراً، قبل أن يصبح مذيعاً بقسم الأخبار.
ربوع السودان
وضع فكرة برنامجه الشهير «من ربوع السودان»، الذي ظل يعده ويقدمه لسنوات طويلة، وكان البرنامج يهتم بتقديم المواهب من مختلف ربوع السودان، ومن خلاله تم اكتشاف عدد من الفنانين، من بينهم النعام آدم، وأحمد عمر الرباطابي، وبابكر ود السافل وغيرهم.
اتجه بعد ذلك إلى مجال التعليق الرياضي، وكان في بداياته متعاوناً مع الراحل طه حمدتو، الذي اكتسب منه الكثير، قبل أن يتسلم منه الراية ويحقق نجاحات كبيرة بفضل ثقافته الواسعة، وحضوره الذهني، ومتابعته الدقيقة.
أجاد علي الحسن مالك التعليق وابتكر فيه، وصنع لنفسه أسلوباً متفرداً، حتى إن المستمع كان يعيش أحداث المباراة من خلال وصفه وكأنه يشاهدها داخل الملعب.
وعُرف بالحياد في إذاعته للمباريات، إذ كان قادراً على إخفاء ميوله الشخصية، وظل المستمعون منقسمين، حتى بعد رحيله، حول النادي الذي كان يشجعه، وفي ذلك دليل على قمة المهنية والحياد اللذين ميّزا تجربته.
عالم الرياضة
أسس علي الحسن مالك القسم الرياضي بالإذاعة السودانية، وكانت معه بداية برنامج «عالم الرياضة»، الذي يُعد من أبرز البرامج التي قدمتها الإذاعة السودانية.
وكان يقوم بإعداد البرنامج فريق متميز، على رأسه «الدينمو» عبد الرحمن عبد الرسول، ويوسف محمد يوسف، وعصام الدرديري، وهيثم خاطر أبوبكر.
ارتبط البرنامج بالنشاط الرياضي الداخلي والخارجي، وكان يُبث يومياً في فترة استماع حية من الساعة الثانية والنصف حتى الثالثة ظهراً، ويحظى بمتابعة واسعة من القطاع الرياضي في السودان، مستفيداً من شبكة مراسلين نشطين في مختلف مدن البلاد.
كما قدم البرنامج خدمات مهمة للمغتربين في دول المهجر، وربطهم بالوطن رياضياً، ودُعم بكوادر من أمثال حمودي مصطفى، وجمال الصادق، والرشيد بدوي عبيد، ويسرية محمد الحسن، وإكرام الصادق.
صناعة الأجيال
مثّل «عالم الرياضة» المحطة الأولى ونقطة الانطلاق لعدد كبير من المذيعين، من بينهم عوض إبراهيم عوض، والطيب قسم السيد، ومحجوب بخيت، ومحمد ورداني حمادة، وعلي سلطان، ومحمد الفاتح السموأل، وفيصل عبد الله، وعثمان حسن مكي وغيرهم.
وحتى سنواته الأخيرة، ظل علي الحسن مالك يتحف المستمعين ببرنامجه المتميز وثقافته الرياضية الواسعة.
امتاز الأستاذ علي الحسن مالك بصوت مميز، ودقة في اختيار العبارات، ومهنية عالية، كما أسهم في تدريب العديد من الشباب وسلّحهم بالمعرفة وخبرته الثرّة، ومن بينهم الرشيد بدوي عبيد وسيف الدين علي.
رحلات خارجية
صحب الأندية والفرق القومية الرياضية إلى العديد من الدول العربية والأفريقية والأوروبية، في مناسبات وبطولات مختلفة، من بينها إنجلترا وألمانيا وأمريكا وكندا ومصر وسوريا وتونس والجزائر والمغرب وتنزانيا وكينيا وأوغندا والصومال وإثيوبيا والكاميرون ونيجيريا وغيرها.
وبذل جهوداً كبيرة لإيصال صوت الإذاعة السودانية، وجعل المستمع السوداني متابعاً للأحداث الرياضية المختلفة، رغم صعوبات الاتصال والإمكانات المحدودة في ذلك الوقت.
نشاط اجتماعي
كان عضواً فاعلاً في نادي الاتحاد البحراوي، وله إسهامات مقدرة في الجانبين الاجتماعي والرياضي.
كما حافظ على ارتباط وثيق بمسقط رأسه، منطقة الغريبة بمحافظة مروي، وكان من مؤسسي اتحاد أبناء منطقة الغريبة، وتولى رئاسته لعدة دورات.
وكان انتماؤه للغريبة يتجدد بحضوره إليها في كل عيد أضحى، كما اضطلع بدور فاعل في تنمية مجتمع المنطقة تعليمياً وصحياً وثقافياً، وكان منزله في بحري مأوى لأهل الغريبة.
الأسرة والرحيل
للراحل من الأبناء عامر وياسر وعاصم وعادل.
وفي 23 أغسطس 2004م، توفي الإعلامي القدير علي الحسن مالك بمدينة القاهرة بعد صراع مع المرض، تاركاً وراءه مسيرة حافلة بالعطاء، وصوتاً ظل محفوراً في ذاكرة أجيال من مستمعي الإذاعة السودانية.
نسأل الله أن يرحمه ويغفر له ويسكنه فسيح جناته مع المصطفين الأخيار.
المصادر: إفادات من ابنه عامر علي الحسن مالك عبر «واتساب»، وفقرة من مقال للأستاذ الراحل سيف علي، بصحيفة «الصحافة» السودانية.













