مسارات
رندة المعتصم أوشي
ويقولون الحديث شجون، تأتيك روافد، ليس فرادى، والحب شجون، ليس هو بكلام عابر، هو أكثر، هو لوعة وذوب وهيام واتحاد. وقد حاز، حظي بالمرتبة الأولى في قاموس العربية على كل أغراض الشعر العربي.
الجزيرة العربية، نهارها الساطع، ليلها الفاتن، وصحو أوقات الربيع، شعابها، مضارب الإبل، العيون، الأمكنة التي شهدت وقائع عشق وجنون خُلِّدت على مر الأزمنة.
“يقولون ليلى بالعراق مريضة
فيا ليتني كنت الطبيب المداويا”
إنه المجنون، مجنون ليلى العامرية، إنه قيس بن الملوح،
وإذا ذُكر مجنون الشعر، فإنهم يعنون قيساً هذا، ليس غيره.
كان عشقاً ما عرفته الجزيرة العربية، سارت به الركبان، همست به العذارى العامريات،
ذاع أمره، شط به المزار، وليلى نائية وفي القلب حسرة، وفي العين دمع لا ينسكب.
هام الفتى وقد نحل جسمه، ذهل، هجر مضارب القبيلة،
أنس بالأيائل والظباء “وقد ملأ البدر المنير الأعاليا”، أذكرته ليلى وعيونها النجل، وبهرة الجمال التي تكسو الجبين، تشع كالقناديل.
ثم يرى سرب القطا، يلوذ به،
يرتجيه أن يعير جناحاً، وليلى نائية:
“أسرب القطا هل من يعير جناحه
لعلي إلى من قد هويت أطير”
انقضت الأيام، تتبعها ليال طوال، ولا دواء يشفي، وللقطا صبابات وله أشجان “ولو ترك القطا لنام”. ويطل الصباح،
تدور أنشوطة العذاب المر،
يبث الصباح أنواره، يلقي بساطه العسجدي، وتبدأ الحياة، مترعة بالأمل، إلا ذاك الجسد الرقيق،
كان قلبه يخفق بحب ما استطاع له كبحاً، ظل يغني ليلى.
وفي ذات ليل، كثيف الغيوم، كفيف البصر، خبا النور في عيني ذياك الفتى، قيس بن الملوح، مجنون ليلى العامرية، فني الجسد، وبقي قيس موالاً، غناءً، وتراً مشدوداً على غصن صفصافة عالية، يرن إذا مر بها نسيم صبا.
ثم تمضي السنون، لا يجف نبع الحب والعشاق المدنفين، وأزهار الربيع تنمو كعناقيد الذهب على فم الوادي النضير،
علنا نهجر أقاصيص العشق والجنون، نحل بـ”وادي القرى”.. ولوحة عشق بهية.
في هدأة الليل يطرق سمعنا صوت شجي، يرفع عقيرته منشداً:
“يموت الهوى مني إذا ما لقيتها
ويحيا إذا فارقتها فيعود”
هو جميل بن معمر العذري، صاحب بثينة، تنوسي اسم أبيه، صيروه جميل بثينة، نسبوه إلى بثينة، وكم حفلت سيرة المحبين بهذا.. فتأمل!!
جميل أمير الحب العذري، ولبني عذرة براءة الحب العذري. نعود إليه، مصطحبين عروة بن حزام.
انتظروني، أعدكم بتجوال لطيف في حدائق الحب وجنونه.
لكن، هل تأذن لي صديقي، قبل إسدال الستار الوردي أن أعود بك إلى قيس في مضارب قلوب وأرواح وذواكر أهل السودان؟
كان آذار حسن _ أتعرفونه؟
يغني بصوته المسكون بالوجد:
“أصلو الغرام مما بدا
لي يومنا دا
قيس ما لاقا ليلى
ليلى قيس ما لاقتو
ما الحب كدا..
يا ناس كدا”
أظن أن آذار حسن كان من منظومة العبقري إسماعيل عبد المعين.
“قيس أنا وأنت ليلى
ذكريات قد تقضت
فلنخلدها بفن”
محمد عوض الكريم، الشفيع،
من فاته سمع هذا اللحن الشارد، فقد فاته الكثير من محاسن الغناء.
وفي أمسيات القمر، والرعاة يديرون أوتار الدوبيت والحداء، يشجيك صبي في شرخ الصبا يترنم:
“مجنون ليلى مع الفراش مع الحردلو
ما شافو البنات كانو زمان بتسلو”
عل الإشارة هنا إلى الشاعر “إبراهيم ود الفراش”.
ألتقيكم مع تواشيح وسير الحب والمحبين، أحدثكم عن ديك الجن، عبد السلام بن رغبان، وورد التي “رويت من دمها الثرى”.













