م. مأمون محمد الطيب عمر
نحن في السوق، أو عند مشارفه.. عالم المال، والتنافس، والسعي خلف الدنيا. ما أكثر طلابها، وقليلون أعلنوا طلاقها.. جيفة للكلاب.
تلفحك حرارة الأنفاس اللاهثة لمرتاديه عند أول منعطف، ويستقبلك شارعه الرئيس، هذا العالم المائج بالحركة والفوران، وعند البدء يبرز عنوانه بأحرف كبيرة لامعة من المعدن المذهب: «بنك باركليز دي. سي.».
بناء فخيم انتصب كحارس مهيب عند زاوية الطريق، من الحجر المنسق الجميل. ما دريت بعدُ ما تعني الحروف، غير أن مهابته تشي للناظر بمخبره.
وهنا تتطاول البنايات الملونة حيثما وليت ناظريك، ومن زاوية مقابلة تفوح روائح الطعام والشواء، وغير بعيد حوانيت صغيرة للباعة من كل جنس؛ فهنا فكهاني، وهناك آخر للمشروبات، وثالث يجاوره للصحف، و…
عالم جديد لنا معه أُلفة وحكايا.
سوق الجلود، حيث يعمل جدي وأولاده، تجارة الأسلاف. صفان من الدكاكين من الطراز القديم؛ غرفة تتقدمها «برندة» بأقواس من الطوب الأحمر، وبين الصفين طريق مترب يعبره السابلة واللوريات وعربات الكارو وبعض الدواب.
وتعبره أيضاً تعليقات منتسبيه وقفشاتهم، فاضحةً أحياناً تكون، وغزل مكشوف إن تزامن ومرور إحدى الجميلات. يرمون النكات، لا يلقون لها بالاً.
أهي قسوة التنافس على الدنيا هكذا تفعل؟ يلح عليّ السؤال.
ها نحن أدينا ما يلينا من واجب؛ إبلاغ شحنة الطعام منتهاها. قليلاً حتى يجتمع عليها رهط أدركه الجوع، ممن وصله النداء أو بريدنا السريع من ضفتي السوق.
رائحة الجلود الطازجة تملأ المكان. «ود الـ ك ل ب».. تسمعها إن تأففت من الرائحة. رزقهم ومعاشهم كانت، وفير هو، ولربهم حامدون هم.
يحد السوق من شرقه شارع البلدية، الأقرب لدكان جدي، مزدوج المسار، ويفصله عن باقي السوق الكبير. «ممنوع مرور الدواب وعربات الكارو».. لافتة تزين جوانبه، وليس يسير فيه سوى عربات الكارو وقليل من مركبات صغيرة!
انتصبت في جزيرة وسطه أعمدة طوال للإنارة، ونسخ مكررة من علم السودان وصور الفريق إبراهيم عبود، رئيس المجلس العسكري الحاكم حينها.
السوق دنيا مليئة بالأحداث.
عم حسنين، رغم انحناء ظهره، يكد بروح شباب، يحمل أكواب الشاي بطول السوق وعرضه، لا يمل. قريباً منا يتوسط موقده «البرندة» الخالية، وغلاية الشاي لا تفتر من «صباحاً.. لمطاحاً».
الرزق صعب.
قنعنا بمضغ قصب السكر وأكل الترمس، فالشاي للبالغين فقط. والجوالة، باعة الباسطة والآيسكريم، لنا عندهم نصيب أحياناً، كما للكبار.
عند نهاية الصف المقابل بناية ملونة من دورين، وسلم حديد لولبي، كانت محط إعجابنا. سلمها اللولبي مرتع.
الطريق المترب يمتلئ بأصناف الجلود، وهو ساحة العمل والتداول: فرز واحد، اتنين، سكارتو، المملوح، الطارة، الحُور.. مفردات شائعة في بورصتهم..
يتبع..













