وزير الخارجية يخاطب السودانيين من الكويت برؤية ما بعد الحرب
خطاب يرسم ملامح الحسم والسيادة والتعافي الوطني للسودان
بلا ميعاد: عوض أحمد عمر
كان لقاء وزير الخارجية، السفير محيي الدين سالم، بقيادات ورموز الجالية السودانية بمنزل السفير السوداني في الكويت، السفير عوض الكريم الريح، جلسة وطنية مفتوحة.. تحدث فيها الوزير من موقع المسؤولية، بلسان رجل يعرف حجم المحنة، ويثق في قدرة بلاده على تجاوزها، ويخاطب شعبه بلغة مباشرة وواثقة، اقتضتها طبيعة المرحلة وفرضتها ضرورات الموقف، دون أن يفقد الخطاب اتزانه ومسؤوليته.
وكانت العبارة الأكثر إلهامًا واختصارًا لروح الحديث: «سنحرر كل شبر من بلدنا ونحن نضاف ورأسنا مرفوع فوق».
عبارة تحمل في كلمات قليلة معنى أكبر من مجرد الانتصار العسكري.. فهي تتحدث عن وطن يريد عنوة واقتدارًا استعادة كل شبر من أرضه والمحافظة على سيادته بلا انكسار، ويريد أن يخرج من الحرب محافظًا على عزته وأخلاقه وكرامته، مستشرفًا المستقبل بكل ثقة، ومتمسكًا بإرادته الغالبة وحقه غير المنقوص في رد المظالم وإنصاف الشهداء والثأر لكل من تأذى من الأوباش.
عقل دبلوماسي
في حديث الوزير اجتمع، على نحو لافت، عقل الدبلوماسي وإحساس المواطن الذي عاش مرارة الحرب وويلاتها.
كان هادئًا وهو يشرح رؤية الدولة، حاسمًا حين تحدث عن السيادة، وصريحًا عندما تناول ما تعرض له الوطن من خيانة على يد من خانوا الأمانة وواجب التكليف، فصوبوا البندقية التي كان يفترض أن تتجه إلى صدور الأعداء نحو جسد المعافى.
يقين النصر
وحين تحدث عن مدينة الأبيض، عروس الرمال، جاءت كلماته كالرصاص.. وبشريات اليقين لا مجرد توقع، مستشهدًا بما قاله من قبل على رؤوس الأشهاد: «نحن حيين، الأبيض ما في متمرد بدخلها».
ثم أكد أن كل شبر من السودان سيُحرر، وأن حقوق الشهداء والمظلومين لن تُنسى، وستظل دينًا في الأعناق.
هذه اللغة لم تكن، في جوهرها، رسالة حرب بقدر ما كانت رسالة طمأنة لشعب أنهكته الحرب.
رؤية الدولة
وبحسب حديث الوزير، فإن ما يجري في السودان ليس عملًا مرتجلًا ولا استجابة لظروف مؤقتة، وإنما هو عمل رجال، وعمل فكر، وعمل كبير وتاريخي.
كلمات تؤكد أن ما يدور يستند إلى رؤية أوسع للدولة، وحسابات تتجاوز مجريات الميدان إلى ما بعد الحرب ومستقبل السودان.
قرار مستقل
ولم يغفل الوزير الجبهة السياسية، فتحدث بوضوح عن المؤتمرات واللقاءات التي تُعقد خارج السودان، وعن محاولات صناعة مواقف أو ترتيبات سياسية من وراء الحدود.. وكانت رسالته إلى فصائل المعارضة مباشرة: من أراد الحوار فليأتِ إلى السودان.. فمستقبل البلاد لا يُصنع في العواصم الخارجية، ولا تُفرض إرادة سياسية على السودانيين من خارج أرضهم.
وكانت الرسالة هنا شديدة الوضوح.. إرادة السودان حرة، وقراره الوطني لا يُستورد ولا يُملى عليه.. ومن أراد أن يكون جزءًا من حوار حول مستقبل البلاد، فعليه أن يتعامل مع السودان باعتباره دولة صاحبة سيادة وإرادة، لا ساحة مفتوحة لتسويات تُطبخ في الخارج ثم تُدفع إلى الداخل باعتبارها أمرًا واقعًا.
رؤية متكاملة
وفي هذا السياق، أشار الوزير إلى أن السودان قدم رؤية متكاملة ومكتوبة إلى مجلس الأمن بشأن معالجة الأزمة وحسم التمرد.. بما يعكس انتقال الدولة من موقع الدفاع عن موقفها إلى موقع تقديم تصورها الخاص للحل.
دور الجالية
وتوقف الوزير كذلك عند الجالية السودانية في الكويت، مشيدًا بما تضمه من قامات فكرية ووطنية، وبما يمثله أبناء السودان في الخارج من رصيد وطني ومعرفي واجتماعي يمكن أن يسهم في الدفاع عن قضايا البلاد وتقديم صورتها الحقيقية.
موقف حازم
وفي هذا السياق، دعا أبناء الجالية إلى الثقة بأنفسهم، وألا يسمحوا لأحد بممارسة الابتزاز أو الترهيب السياسي عليهم، مهما ادعى من نفوذ أو صلات أمنية. وجاءت عبارته الحاسمة والأقرب للمزاج السوداني: «لا يأتي شخص يتفرعن عليكم لأنه تبع مخابرات أو دفعوا ليه قرشين وتسكتوا… أدوهم بالجزمة»، لتعبر عن أن بعض المواقف لا يكفي معها الصمت أو المجاملة، وإنما ينبغي التعاطي معها بما تستحق من حزم ورفض واضح، وعدم منح أصحابها حجمًا أو سلطة لا يملكونها.
ولعل هذه واحدة من أكثر لحظات اللقاء دلالة.. فالمسؤول هنا لا يطلب من السودانيين في الخارج أن يكونوا مجرد متفرجين، بل أن يكونوا أصحاب موقف، وأن يدركوا أن الدفاع عن الوطن لا يكون في ساحات القتال وحدها، وإنما كذلك في مواجهة التضليل ومحاولات الاستقواء والابتزاز السياسي والمعنوي.
تعافٍ وطني
لكن ربما كان أهم ما في حديث الوزير أنه لم يتوقف عند نهاية الحرب، بل انتقل إلى ما بعدها.. فقد تحدث عن المصالحة والتعافي الوطني، وعن ضرورة أن يفكر السودانيون منذ الآن في اليوم التالي للحرب.. كيف يعيدون بناء مجتمعهم، ويعالجون الجراح، ويردون المظالم، ويمنعون مرارات الحرب من التحول إلى دورة جديدة من الانتقام والانقسام.
بناء الدولة
وهنا تظهر النظرة الكلية للدولة كما أراد الوزير تقديمها.. حسم التمرد من جهة، واستعادة الدولة وسيادتها من جهة، ثم الانتقال إلى مشروع وطني أوسع يعالج آثار الحرب ويعيد بناء المجتمع والدولة على أسس أكثر صلابة.
خطاب مختلف
لقد كان حديث الوزير مختلفًا، لأن السودانيين سمعوا هذه المرة مسؤولًا مدنيًا يتحدث بعقل الدبلوماسي وإحساس المواطن الذي عاش مرارة الحرب.. بلغة فيها الحسم حين يقتضي المقام الحسم، وفيها رؤية سياسية حين يكون المطلوب بناء الدولة لا مجرد الانتصار في معركة.
آخر الكلم
وإذا كانت عبارة واحدة تصلح عنوانًا لهذه المرحلة، فهي ما قاله الوزير نفسه: «سنحرر كل شبر من بلدنا ونحن نضاف… ورأسنا مرفوع فوق».
فالانتصار الحقيقي ليس فقط أن تستعيد الأرض، بل أن تستعيد الوطن وإرادته وكرامته، وأن تدخل إلى المستقبل وأنت قادر على النظر إلى تاريخك، وإلى شهدائك، وإلى الأجيال القادمة… ورأسك مرفوع.
تقدير واحتفاء مستحقان بوزير الخارجية، وبخطاب أعاد إلى الواجهة صورة المسؤول الواثق من شعبه ومن دولته ومن قدرة السودان على النهوض من قلب المحنة.
Omeraz1@hotmail.com













