في الذكرى التاسعة عشرة لرحيل صاحب «الأماني العذبة»






رحل الجسد وبقي صوته في الوجدان
مسيرة فنية تركت مجدا لا يُنسى
من الأبيض إلى قلوب السودانيين جميعًا
أداء استثنائي صنع مجد الأغنية السودانية
حكاية مبدع جمع الكلمة واللحن والصوت
من «الملحمة» إلى ذاكرة الغناء الخالدة
تجربة فنية عبرت الأجيال ولم تشخ
مسيرة شاعر وملحن ومغنٍ استثنائي
عماد أحمد ـ آكشن سبورت
صادف يوم أمس 22 أغسطس الذكرى السنوية التاسعة عشرة لرحيل واحد من أبرز رموز الغناء السوداني، الذي غادر الدنيا في مثل هذا اليوم من عام 2007، بعد مسيرة فنية حافلة ترك خلالها إرثًا غنائيًا خالدًا، جمع فيه بين جمال الصوت وثراء اللحن ورهافة الكلمة. إنه الفنان الشامل خليل إسماعيل، الشاعر والملحن والمغني، الذي استحق لقب «فنان الفنانين»، لما امتلكه من قدرات تطريبية استثنائية، وثقافة موسيقية رفيعة، وشخصية إنسانية ظلت حاضرة في ذاكرة زملائه ومحبيه.
البدايات الأولى
وُلد خليل إسماعيل موسى في حي القبة بمدينة الأبيض في 5 فبراير 1931، وبدأ تعليمه في خلوة الشيخ شنتوت، ثم مدرسة القبة الأولية، قبل أن يلتحق بقسم الدراسات المسائية في مدرسة الأبيض الصناعية. وعمل في بداياته صانعًا لزخارف المباني، ثم انتقل إلى الخرطوم عام 1958، وعمل مع المهندس المعماري كامل جمال يوسف.
نشأ في أسرة اشتهرت بالطيبة والمرح وحب الطرب، وفي شارع احتضن عددًا من المبدعين ورجال السياسة والدين والمجتمع. وظهر شغفه بالغناء مبكرًا، حتى إنه أصر، وهو صغير السن، على الغناء في حفل ختان أشقائه، وقدم أغنية من كلماته وألحانه بعنوان «أوعى تحب».
صدفة الإذاعة
لم يطرق خليل إسماعيل أبواب الإذاعة طالبًا الشهرة، بل قادته إليها المصادفة. ذهب برفقة صديق لمقابلة مهندس يعرفه، فأخبر الصديق المهندس بأن خليل فنان وله أعماله الخاصة. أحضر المهندس آلة عود وطلب منه الغناء، فقدم أغنيتين، ليفاجأ لاحقًا بأنهما سُجلتا على جهاز «القروندي» الموجود في الإذاعة.
استمع الماحي إسماعيل، المسؤول عن الفرقة الموسيقية بالإذاعة، إلى التسجيل وأُعجب بصوته، فطلب منه الحضور لتسجيل الأغنيتين رسميًا. وبعد ثلاثة أيام تلقى ثمانية «كوبونات» مكافأة له، وكان الكوبون يعادل جنيهًا واحدًا.
وفي عام 1958 أجاز صوته رسميًا بأغنية «يوم التهاني» من كلمات عبدالرحمن الريح وألحان خليل أحمد، لتبدأ رحلة فنان فرض نفسه وسط جيل العمالقة بأسلوب متفرد وصوت شديد الحساسية.
دراسة الموسيقى
لم يكتف خليل إسماعيل بالموهبة، بل صقلها بالدراسة الأكاديمية في معهد الموسيقى والمسرح.
والطريف أنه لم يدخل المعهد في البداية بنية الدراسة، وإنما لتشجيع صديقيه زيدان إبراهيم وأبو عركي البخيت. وكان الإعلامي محمد خوجلي صالحين قد أطلق على الثلاثة لقب «الفرسان الثلاثة».
التحقوا بالمعهد عام 1973، لكن زيدان إبراهيم ترك الدراسة بعد العام الأول بسبب جماهيريته الكبيرة، بينما واصل أبو عركي وخليل حتى التخرج عام 1977.
تخصص خليل في الصوت والبيانو، ودرس على أيدي موسيقيين بينهم الإيطالي إيزو مايسترللي والكوري أوشان، وأصبح أكثر معرفة بأبعاد صوته وإمكاناته، وانعكست الدراسة بصورة واضحة على ألحانه وطريقة أدائه.
صوت الملحمة
في عام 1968 شارك خليل إسماعيل، إلى جانب محمد الأمين وعثمان مصطفى وبهاء الدين أبو شلة وأم بلينة السنوسي، في رائعة «قصة ثورة» أو «الملحمة»، التي لحنها الموسيقار محمد الأمين وكتب كلماتها الشاعر هاشم صديق، تخليدًا لثورة أكتوبر 1964.
وأسندت إليه مقاطع تحتاج إلى مساحة صوتية وقدرات أدائية عالية، فقدمها بأسلوب ظل حاضرًا في ذاكرة الجمهور، وأكد مكانته بين كبار الأصوات السودانية.
سفير الأغنية
لم يتوقف حضوره عند حدود السودان، فقد مثّل البلاد في كوريا الجنوبية، وزار عددًا من الدول الإفريقية حاملًا معه الأغنية السودانية، حتى أصبح سفيرًا حقيقيًا لها.
وتميّز بصوت اختلف المختصون في تصنيفه بين «تينور أول» و«سوبرانو»، لكنه ظل متفردًا في طريقة الأداء؛ إذ كان يقدم كل مقطع بأسلوب مختلف، وحتى عندما يعيد الكوبليه نفسه يضيف إليه تنغيمًا وزخارف صوتية جديدة.
أغنيات خالدة
تعد «الأماني العذبة» من أشهر أغنياته وأكثرها رسوخًا في الوجدان السوداني، وقد أعاد أداءها عدد كبير من الفنانين الشباب. كما كشفت «جبل مرة»،التي برعت فيها شاعريته ورؤيته البصرية والتشكيلية وقدرته الفائقة على تجسدي جمال الطبيعة عبر الموسيقى.
وعلى الرغم من جذوره الكردفانية، اتجه في معظم تجربته إلى غناء منطقة الوسط، ولم يقدم من إيقاع «المردوم» سوى تجربة محدودة في أغنية «لي حبيبة جميلة».
كما منح الغناء الوطني مساحة مهمة في تجربته، ومن أبرز أعماله «جمالك يا بلادي»، فيما آمن بأن الفن من أقصر الطرق إلى التعايش والسلام، فقدم أغنية «الكمبا» من التراث، بلحن إسماعيل عبدالمعين، وكان يختتم بها حفلاته لما تثيره من بهجة ورقص جماعي.
شعراء ورفاق
تعاون خليل إسماعيل مع نخبة كبيرة من الشعراء، وفي مقدمتهم محمد علي أبو قطاطي الذي قدم له عددًا كبيرًا من النصوص، بينها «الأماني العذبة»، و«أسير الشوق»، و«بسحروك»، و«بديع حسنك»، و«الحبيب» و«شوق».
كما غنى لمحمد بشير عتيق «هالة»، وعبدالرحمن الريح «يوم التهاني» و«ليه ده كله»، وتاج السر عباس «قبل ميعادنا بساعتين»، والتجاني حاج موسى «اعذريني»، ومحمد عوض الكريم القرشي «لوحة»، وغيرهم.
وكتب خليل بنفسه عددًا من أغنياته، بينها «أوعى تحب»، و«جبل مرة»، و«ثواني الانتظار»، و«حبي ليك ما اعتيادي»، و«خفيف ظلك جميل لونك».
الإنسان النبيل
خارج المسرح، كان شديد النقاء والحساسية، مفعمًا بالكبرياء وروح الدعابة وسرعة البديهة. عُرف بعلاقاته الإنسانية الودودة، وكان يسعى إلى جمع الفنانين إذا اختلفوا، والإصلاح بينهم إذا احتدم الخلاف.
وكانت له صداقة عميقة مع أبو عركي البخيت، بدأت منذ أواخر الستينيات في أحياء أم درمان، وظل أبو عركي وفيًا له، ملازمًا إياه خلال المرض وحتى أيامه الأخيرة.
ومن أشقائه فضل الله وموسى وحمد، وكان حمد من أبرز عازفي «الباص جيتار» في السودان، وعمل فترة طويلة ضمن فرقة الموسيقار محمد وردي.
الوصية الأخيرة
يروي عابدين درمة أن خليل إسماعيل، عند وفاة الباحث في التراث الطيب محمد الطيب يوم أربعاء، انفرد به وطلب منه أنه إذا جاء أجله أن يُدفن إلى جوار إبراهيم الكاشف وخليل فرح ومحمد أحمد عوض، في الجانب الشرقي من المقابر.
وشاءت الأقدار أن يرحل خليل إسماعيل هو الآخر يوم الأربعاء 22 أغسطس 2007، بعد إصابته بفشل كلوي مفاجئ، وقضاء أكثر من 72 ساعة في الإنعاش بمستشفى أم درمان، وإجراء جلسة غسيل كلوي واحدة.
ووري جثمانه الثرى في مقابر أحمد شرفي بأم درمان، وسط مشهد وداع مؤثر احتشد فيه الفنانون والمبدعون والأصدقاء. امتزجت الدموع بالذكريات، واستعاد كل واحد منهم موقفًا أو طرفة أو لحظة عاشها مع الراحل.
غاب الجسد، لكن بقي الصوت.
وبعد تسعة عشر عامًا على رحيله، ما زالت أغنياته تعبر الأجيال، ويظل خليل إسماعيل حاضرًا بوصفه واحدًا من الأصوات التي منحت الأغنية السودانية جمالًا وعمقًا، واستحق عن جدارة لقب: «فنان الفنانين».
المصدر
مقتطفات من كتاب «من تاريخ الغناء والموسيقى في السودان» للأستاذ معاوية حسن يس، ومقالات للأساتذة ياسر عركي وأمير النور وحسام مبروك، إلى جانب إضافات ومعلومات شخصية.













