بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
كان أستاذي الدكتور محمد عيد، صاحب كتاب (النحو المصفى)، موسوعة في علمه، يسقيه طلابه حتى الثمالة! وكان متواضعًا لدرجة الزهد والتهذيب.. هادئًا.. وقورًا.. يبدأ محاضرته بمعطيات ومسلمّات وعموميات هي مدخل لموضوع محاضرته.. ثم يقول: “إلى هنا والكلام سهلٌ ميسّر ولكنْ…”، فيدرك الطلاب أنه ولج بهم عباب علم يستوجب الانتباه.
أما أستاذنا الدكتور رجاء جبر، أستاذ الأدب المقارن واللغة الفارسية، فقد كان ساخرًا، وقد اخترناه ليكون مشرفًا على “أسرة الطلاب السودانيين” بدار العلوم، بحكم حبه للسودان وعمله السابق محاضرًا في جامعة الخرطوم، وشرعنا في إعداد جريدة حائطية شهرية، واخترنا لها اسم “جَمّاع”، الشاعر السوداني المبدع (إدريس محمد جمَّاع)، الذي درس في دار العلوم قديمًا، وهو القائل في قصيدته “النيل”:
النيلُ من نشوة الصهباء سلسله * وساكنو النيل سمّارٌ وندمانُ!
ولمّا عرضنا الاسم على أستاذنا رجاء جبر ابتسم وطلب منا أن نستبدل الاسم بآخر، ولمّا سألناه عن السبب قال ساخرًا كعادته: “خوفًا من أن يأتي أحدهم ويقرأ كلمة (جَمَّاع) بكسر الجيم ولا يُشدد الميم”! ضحكنا لحضور بديهته، واختار هو اسمًا آخر هو “حوار”.
أستاذنا العلامة، عالم اللغة، الدكتور كمال بشر ـ الذي أصبح رئيسًا لمجمع اللغة العربية في القاهرة فيما بعد ـ كان يغرق طلابه بنظريات عالم اللغويات السويسري “فردينان دي سوسور”، ثم يمازحهم ليكسر جفاف المادة العلمية في محاضرته التي تمتد قرابة الساعتين. قال ذات مرة مخاطبًا طالبة تجلس في الصف الأمامي: “أنتِ يا بنت، كوني حذرة، أحسن واحد من العيال الصيّع دول يقابلك بعد تخرجك وزواجك وأنت واخدة عيلك على صدرك، يسلم عليك ويمازح العيل.. بس هو في الحقيقة يعاكسك أنتِ!”.
أما أستاذنا الدكتور علي الجندي، الذي كان يدرس الأدب الجاهلي بمعلقاته وقضية انتحاله، وهي المادة التي يشكو منها طلاب دار العلوم كثيرًا، فكان صارمًا في عرض محاضرته وتعامله، وكان يتأكد من فصل الطلاب عن الطالبات بنفسه، وهو أمر تسير عليه دار العلوم، وفي إحدى المحاضرات رأى (طالبًا) يرتدى بنطلونًا وقميصًا، وشعره حليق، جالسًا بين الطالبات، فابتدره قائلًا “أنت يا ولد، اجلس هناك بين إخوانك”، فضجت القاعة بالضحك، وصاحت الطالبات: دي بنت يا دكتور! فنظر إليها الدكتور مليًا محاولًا التأكد مما ترى عيناه، فقد كان مظهر الطالبة المتحررة أقرب إلى مظهر الطالب، وردد بسخريته المعتادة: “إذن، تشابه عليَّ البقر”، فضجت القاعة بالضحك مرة أخرى.
وقد كانت بعض أسمائنا ـ نحن السودانيين ـ غريبة على الإخوة المصريين، وينطقونها نطقًا غريبًا كثيرًا ما نصححه لهم، ومن ذلك (جبر الدار) الذي ينطقونه (قبر الدار)، وذات مرة وبينما كان (المعيد) يأخذ أسماء الطلاب الحضور نادى زميلنا (الصادق الأمين صالح الحاج)، فضحك وهو يقول: أيه الحلاوة دي؟ أنت صادق، وأبوك أمين، وجدك صالح، وجدك الأخير حاج؟
سقى الله أيام دار العلوم وأرض الكنانة، ورحم أساتذتنا الأجلاء الراحلين، وبارك في أعمار الأحياء منهم.













