تباشير
د.وليد محجوب
في بواكير دراستي في المرحلة الابتدائية كانت المدرسة تقع في منخفض يجعل المارة في الصباح يشاهدون الطابور ونحن زغب متراصون في انتظام. وفجأة اقتحم هذا الطقس المقدس أحد سكان الحي. نظر إلينا شذراً وزأر فينا مُعَنِّفاً وكأنه قبض علينا متلبسين بجرم عظيم. ثم التفتَ ناحية المعلمين مؤكداً بلغة جسدٍ صارمة ولهجة لا كوعود الساسة، أن “ليكم اللحم ولينا العضم”.
عبارةٌ أسست لمدرسة العنف في التربية المدرسية في السودان. فصار “الجلد” عادةً يومية ألِفناها، وصرنا نداعب أدواتها بالألقاب لتمليحها. فكان أشهرها “ود النوبة”، ذلك الخرطوش الأسود القصير، بقية من خرطوم شبكة توصيل المياه الأرضية للمنازل. تحول لونه في زماننا هذا إلى الأخضر الفاتح، وحملته طلائع مجرمي فض اعتصام القيادة العامة.
لـ”ود النوبة” القدرة على ترك أثاره على الأجساد لبعض الوقت، لكن ندوبه لا تغادر الأرواح مهما طال الزمن. فهو وسيلة العقاب الرئيسة كلما أخطأ طالب في حل الواجب أو نسي أداءه أو اِعْوَجَّ سلوكه ولو قليلا، أو تأخر لسبب خارج عن غرادته. فغرس في كثير من النابهين بُغض المدرسة والمدرسين بسبب شدة مضاضة طَرْقِه على الأجساد الغضة. بل حول مسار الكثيرين إلى مجاهيل دروب “الفاقد التربوي”، وأغلق أفهام آخرين، فبُنيت حواجز مثل جدار برلين بينهم وبين استيعاب بعض المواد.
لم تقف وسائل التعذيب عند “ود النوبة”، فقد رافقه في رحلة المهانة وإذلال الطلاب باسم الحرص على مستقبلهم، الكرباج الممسح بزيت كان فول فطور المعلمين أكثر حاجه له، لكنهم آثرونا. وفي حال نجاحنا في سرقة أدوات التعذيب هذه، تتحول أغصان شجيرات ورود الدفلة، المسماة اخشوشاناً في السودان بورد الحمير، إلى عِصِي لدِنَة، تهتز في يد حاملها كجسد هيفاء تتمايل في مشيتها، فتثير فيه غريزة الضرب المبرح لأتفه الأسباب.
نتج عن هذه الممارسة الخاطئة فقدان بعض الطلاب الشغف وتراجعت درجات تحصيلهم، بل تعدى ذلك إلى تركهم مقاعد الدراسة، ليحقق العقاب البدني قول الله تعالى: “وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ”. فانفضوا من المدارس. هذه الآية الكريمة تبين أن اللين ليس ضعفاً، بل هو السبيل الأمثل لامتلاك القلوب وتعبيد الطُرق إلى تحقيق الغايات السامية.
لكن الأثر الأبرز للعقاب البدني يكمن في زيادة مشاعر القلق والخوف داخل المدرسة، ومن ثَمَّ انتقاله إلى البيت المشجع لفكرة التخلي عن لحم أبنائه مقابل الاحتفاظ بعظام ترتجف من عواقب أقل تقصير. هذا الخوف زرع فينا بعد ذلك الاكتفاء بالقليل، وعدم الرغبة في خوض أي مغامرة قد تقودنا إلى مكاسب هائلة. لذلك تجد نسبة كبيرة ممن غادروا المدارس واتجهوا إلى عوالم التجارة يحققون النجاحات المتكررة بعد أن تحرروا من أسر الخوف من “ود النوبة”.
أما الأثر الأكثر خطورة فهو ترسيخ فكرة العنف بوصفه الوسيلة الأنسب للتعامل مع كل مشكلة تؤرقنا، وليس أدل على ذلك من عدد الحركات المسلحة ضد الحكومة، وتصدرنا قائمة الدول المنتجة للانقلابات العسكرية على مستوى العالم، وهذا إنجاز ما كان له أن يتحقق لولا قيم العنف التي غرسها العقاب البدني في مختلف مستويات التعليم.
فلنُخرج “ود النوبة” ورفاقه من المدرسة، ومن الذاكرة، ومن قاموس التربية، ولنجعل آخر أثر له فينا درساً واحداً: أن الإنسان لا يُبنى بالخوف، وأن الأوطان لا تُبنى بالعنف، وأن أكرم ما يمكن أن نتركه لأبنائنا تمام اللحم والعظم، لتسكن الطمأنينة قلوبهم، وتعمل عقولهم بحرية متزنة، فتمتد أياديهم لبناء وطن يشتهونه.













