تباشير
د.وليد محجوب
دخل إلى الفصل كغصنٍ يرتجف في يوم عاصف، تزاحمت الأفكار في رأسه كأسراب النحل المذعورة. كانت تلك أولى حصص التدريب الواجب أداؤها في المدرسة المخصصة لتدريب طلاب كلية التربية، ذلك الصرح الذي يصنع ممراً نحو الرسالة، لكنه في تلك اللحظة أصبح جسراً معلقاً فوق هاوية من المجهول.
بدا على محياه التوتر، وسالت من جبينه حبات عرقٍ كندى الصباح على أوراق الشجر، فاضحةً ما يبطنه من قلقٍ ينهش روحه في تلك اللحظة. ربما لأن الحظ جعل أولى تجاربه العملية في فصلٍ مليءٍ بالمراهقات، بعضهن مكتملات الأجساد كتماثيل رومانية من رخامٍ ربيعي، وأخريات ما زالت أجسادهن ترفل في أثواب الطفولة البريئة، كبراعم لم تفتح أكفها للشمس بعد. وقف أمامهن يتأمل هذا المزيج المُرهِق، كمن يقف على شاطئ بحرين يلتقيان فيه، ماء عذب وماء أجاج، ولا يدري من أيهما يغرف.
لم يترك لقلقه مساحةً تعصف به، فشرع مباشرةً في شرح درس النحو والصرف. تردد صوته في الفصل كصدى جرس بعيد في قاعة فارغة. أنصتت إليه الطالبات في البداية، لكن انتباههن بدا في التلاشي رويداً رويدا كرغوةٍ على سطح مائج، سرعان ما تفرقت أجزاؤه بين همساتٍ خافتة، ونظراتٍ بدأت في الشرود، وأيدٍ تعبث بأطراف الدفاتر. لاحظ أن غالبية الطالبات يتابعن شرحه كمن يتابع طيراً يحلق بعيداً، أبصارهن معه، لكن عقولهن في وادٍ آخر.
فقرر أن يمتحن فهمهن، فطرح سؤالاً سهلاً كقطرة ماء، ظناً منه أنه سيلمس به قاع إدراكهن. لكن الفصل غاص في صمت كثيف، كالصمت الذي يسبق العاصفة. ثم إذا بإحداهن، التي كانت تجلس في الصف الخلفي، ترفع يدها كعلمٍ أبيض، اتسعت ابتسامته لرؤية يدها الممتدة عالياً بثقة، لكنها أجابت إجابةً خاطئةً، إجابة كرمي حجر في غدير صافٍ، فتعكَّر ماءه بدلاً من أن يثير فيه تموجات كمس النسيم. أصابه في تلك اللحظة إحباط أشعل فيه نار الغضب، فطافت حوله ذكرى أحد معلميه في المدرسة الثانوية.
اتقدت في عينيه شرارة غضب أراد أن يعلن بها عن جاهزيته ليصبح معلماً صارماً، لا ليِّناً ينكسر أمام هؤلاء الفتيات ويُراق ماء وجهه. نظر إليها ملياً ونبضُ الدم في يرتج في صدغيه كطبول الحرب. نسي أنه في فصل تدريبي، ونسي أنه أمام مراهقات يافعات، ونسي أن الرفق بالقوارير واجب، وغابت عن باله كل الدروس التي تعلمها في محاضرات علم النفس التربوي. مد يده إلى الكرباج الذي كان يتدلى كذنب ثعبان من منضدة المعلم، وتوجه نحوها بخطواتٍ ثقيلة كرعدٍ بعيد.
وقف أمامها كقاضي جبار، ثم رفع الكرباج عالياً، وهمَّ بإنزاله على كتفها، لكنها لم تكن ابنة تلك اللحظة الهشة كما ظنها. فبعينين ثابتتين كالصخر، وبحركة خاطفة كالبرق، تلقفت طرف الكرباج الأمامي قبل أن يهبط على جسمها النحيل، وفي لمح البصر انتزعته من قبضته المرتخية بعض الشيء، وجعلت مقبضه في يدها العسراء ويسقط في فخٍ ناعم.
ثم انهالت عليه بضربات متتالية كمطر غزير على سطح من صفيح، وهي تردد في هدوء مُرعِب، كمن يتلو درساً حفظته عن ظهر قلب:
“مش قالوا ليك البنات ما بدقوهن؟ ،، مش قالوا ليك البنات ما بدقوهن؟”
ألجمته الصدمة فلم يستطع تفادي ضرباتها المتسارعة، وقف في مكانه راكزاً أمام الطالبات وهو يتلوى من شدة وطأة الألم كعصفورٍ كُسِرَ جناحاه وعجز عن الطيران. لم يكن الألم الحسي وحده ما أوجعه، بل كبرياؤه المسكوب على أرض الفصل. ومع أول سوط نزل عليه، علت صرخات الطالبات كصفير الريح، بعضهن يضحك، وبعضهن يشهق، والأخريات يتفرجن على هذا المشهد العجيب. لم ينقذه إلا حضور مدير المدرسة. ما أن ظهر في باب الفصل حتى هدأت العاصفة، وساد السكون الفصل. أمره بالذهاب إلى مكتبه وتناول الطباشير وأكمل بقية الدرس في هدوء.













