بلا ميعاد : عوض أحمد عمر
…
- تعال راجع بلد في يقين… لو طالت عليك الغربة واتعذبت، ما عارف مقامك وين».
- من الأغنيات الملهمة التي تبقي الصلة بين المغترب وأهله ودياره حاضرة رغم البعد، وحملت في كلماتها معنى الشوق والاطمئنان والرغبة في الرجوع.
- لم تكن مجرد تعبير عن الحنين بل تذكيراً بأن الوطن يظل موضع الانتماء مهما طالت سنوات الغربة.
- عرف السودانيون السفر منذ زمن بعيد، واتجهوا إلى بلدان مختلفة للعمل أو الدراسة أو اكتساب الخبرة.
- وكانت تلك الغربة، رغم ما فيها من فراق ومشقة، مرتبطة بهدف واضح، ويظل صاحبها مدركاً لأسباب سفره وما يرجوه منه.
- لذلك بقي الرجوع جزءاً من الفكرة منذ البداية، حتى وإن تأجل لسنوات.
- أما اليوم، فقد كتب على جزء كبير من أبناء السودان أن يعيشوا غربة قهرية أشد ألماً وأقسى وألما .
- غربة لم يختاروها، بل فرضتها الحرب، وحملت معها أوجاع الفقد والاقتلاع من البيوت.. وقلقاً على ما تركوه، وخوفاً من مصير لا يعرفون إلى أين يقودهم.
- هنا لم يعد الرحيل سعياً إلى فرصة، بل هروباً من واقع لم يعد آمناً.
- من يسافر بإرادته يمضي نحو غاية يعرفها، أما من تدفعه الحرب بعيداً فيغادر لأن البقاء لم يعد ممكناً أو آمنا .
- في الأولى تكون المسافة جزءاً من طريق نحو هدف، أما في الثانية فهي نتيجة لفقدان الأمان والاستقرار.
- وهذا هو الفارق الحقيقي بين غربة الاختيار وغربة القهر.. الأولى تبدأ بأمل، والثانية تبدأ بخسارة.
- حين تتردد اليوم عبارة «تعال راجع بلد في يقين»، فإنها تستدعي إلى الأذهان صور الذين غادروا ديارهم تحت وطأة الحرب، وما خلفته من دمار وتشتت وفقد.
- عندها لا تعود كلمة «اليقين» مجرد معنى جميل في أغنية، بل تصبح مرتبطة بالأمن، وعودة الخدمات، واستقرار الحياة، وحماية الحقوق والممتلكات، ووجود مؤسسات قادرة على القيام بدورها.
- اليقين لا يكتمل بغياب صوت المدافع وحده. يحتاج الناس إلى الثقة في أن الأمن حاضر، وأن حقوقهم مصونة، وأن النفوذ لا يعطل العدالة، وأن المال العام لا يتحول إلى مورد لمن يستغلون ظروف الحرب. فالثقة في الدولة ومؤسساتها جزء أساسي من استعادة الإحساس بالأمان.
- الفساد في الظروف العادية يهدر المال، أما في زمن الحرب فإنه يضاعف معاناة الناس.
- كل مال يضيع قد يكون دواءً أو خدمة أو دعماً لمحتاج، وكل احتكار يتغاضى عنه يزيد أعباء الأسر، وكل تلاعب في الإغاثة أو السكن أو النقل أو السلع يمدد آثار الحرب في حياة المجتمع.
- الأخطر من الفساد نفسه أن يجد من يوفر له الحماية.
- فحين تتعطل المساءلة بسبب النفوذ، أو تُغلق الملفات قبل أن تصل إلى نهايتها، تتحول المخالفة من فعل محدود إلى بيئة تسمح بتكرارها.
- وعندها تصبح حماية القانون والمال العام جزءاً من حماية المجتمع نفسه.
▪️آخر الكلم▪️
- من اقتلع من بيته لا تكفيه الكلمات.. ما يحتاجه هو واقع يعيد إليه الطمأنينة والثقة.
- ذلك الواقع يبدأ بأمن مستقر، وخدمات أساسية، وقانون يصون الحقوق، ومؤسسات تؤدي واجبها بلا تمييز .
- عندها فقط تستعيد عبارة «تعال راجع بلد في يقين» معناها الحقيقي.. ويصبح «اليقين» حالة يلمسها الناس في حياتهم، لا مجرد إحساس تثيره أغنية.
Omeraz1@hotmail.com













