بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
ما عندك “بنكك”؟
وأنا أستمتع بإجازتي في ربوع قريتي كان لزامًا عليَّ أن أُفعّل حسابًا في بنك الخرطوم لأمتلك تطبيق “بنكك”، وذلك بعد أن شحّت السيولة في السودان، ومررت بمواقف محرجة، إذ إن الشراء في كل الأسواق حتى “الكناتين” الصغيرة في القرية يتم عن طريق بنكك، أما في مناسبات الزواج فقد تحوّل الدفع في “الكشف” إلى تطبيق بنكك، حيث تجد “المعازيم” يقفون صفًا وهم يمسكون موبايلاتهم ويحولون ما تيسّر. أما الذي ليس لديه تطبيق بنكك ولديه “ماء وجه” فغالبًا ما يستعين بصديق ليدفع له عبر بنكك، وهو موقف محرج نوعًا ما، يُلطّف بعبارة الصديق لصديقه “سأحوّل لك بعدين”. وقد حدث لي موقف أثار دهشتي، وذلك عندما توسّم الخير فيَّ أحد “المعوزين” في مدينة قريبة من قريتي وطلب مني المساعدة فاعتذرت له بأن لا “كاش” لدي فسألني متعجبًا: ما عندك بنكك؟ قلت له: أنت عندك بنكك؟ فقال: “أيوه”، فاعتذرت له بأنني لا أملك التطبيق.
لهذا وذاك فقد حصلت على بعض النقود الورقية المهترئة من تاجر بالقرية لأصل بها إلى العاصمة، ويممت وجهي إلى الخرطوم بحري لفتح حساب في بنك الخرطوم ومن ثم الحصول على تطبيق بنكك، وبعد صفوف وانتظار أكثر من أربع ساعات فزت بالحساب وتفعيل “بنكك” الحلم. وكنت سعيدًا لأنني آنذاك استنفدت كل ما معي من عملة ورقية فتحتّم علي أن يكون تعاملي المالي عبر بنكك فقط، ولأجرّب تفعيل التطبيق ولجت مطعمًا متواضعًا مسجلًا على بابه رقم بنكك بخط “شين” فتناولت الغداء ثم سألت “الكاشير” عن “الحساب” ورقم حسابهم فقال إنه ستة آلاف جنيه، وإن رقم الحساب على تلك الكرتونة الملصقة على الباب، فقصدت الباب وأدخلت الرقم المسجل على الكرتونة المتسخة المثبتة بسلك غليظ فظهر رقم الحساب واسم صاحبه. وأنا أُري الكاشير المبلغ المحوّل بسعادة لا تخفى أحبطني بقوله: أنت يا أستاذ حولت لنا ستين جنيهًا فقط وليس ستة آلاف! فـ “كبس” رأسي، وهي عادة كانت تنتابني قديمًا عند حلّ مسائل الرياضيات، خاصة حساب المثلثات بقوانينه الكثيرة ومصطلحاته العجيبة التي أذكر منها “جا وجتا، وقتا وظتا، ومقلوب جيب التمام”! قلت له: يعني بقي خمسة آلاف وتسعمائة وأربعون جنيهًا؟ كم صفرًا قبل المبلغ ده؟ فقال ضاحكًا: حول الستة آلاف كلها. الستين ما عندها قيمة، خت بعد الستة ثلاثة أصفار! ففعلت كما أمر، وذلك لسهولته! فطلب مني رقم التحويلة، فلم أفهم ما يقصد، فأخذ مني الموبايل واستخرجه، ثم سجل أرقامها الثلاثة في دفتر الحسابات. ثم قصدت “ست شاي” وسألتها إن كان معها “بنكك” فأجابت بالإيجاب فطلبت “كباية” شاي “منعنع”، وأنا أهم بالمغادرة سألتها عن رقم الحساب واسم صاحبته، فزودتني “كلتومة” برقمها واسمها بثقة مفرطة! فحولت لها “الألفين” بعد أن تأكدت من وضع الأصفار، وأريتها التحويلة فقالت “خلاص”!
وفي الحافلة المتّجهة إلى الجيلي “طقطق” الكمساري وطلب منا أن ندفع عن طريق بنكك فأخرج الناس موبايلاتهم وأنا كذلك، وسألته ـ مثلهم ـ عن رقم الحساب واسم صاحبه، فحولت له المبلغ الذي تعددت أصفاره الخرافية، لكنني هذه المرة لم “أشوت” المبلغ إلا بعد أن تأكدت من صحة عدد الأصفار مع جاري في المقعد، ثم شرعنا ـ أنا وهو ـ نعدد فوائد بنكك الرائع، وكان آخر ما قاله لي: إذا علّق عندك تطبيق بنكك بعد وليمة غداء دسمة في مناسبة عرس، كُب الزوغة. امسح خشمك بطرف كمك وابقى متخارج!.













