د. أحمد عبدالمطلب
كثير من الناس لا يفقدون سعادتهم لأن حياتهم سيئة، بل لأنهم ينظرون إلى حياة الآخرين أكثر مما ينظرون إلى ما بين أيديهم. ومن هنا جاءت العبارة البليغة: «المقارنة لص السعادة»، لأنها تتسلل بهدوء إلى النفس، فتسرق منها الرضا، وتجعل النعم الصغيرة تبدو بلا قيمة.
في زمن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت المقارنة أكثر حضورًا في حياتنا. نرى شخصًا يسافر، وآخر يشتري منزلًا، وثالثًا يحقق نجاحًا مهنيًا، ورابعًا يحتفل بإنجاز جديد، فنقارن هذه الصور المنتقاة بحياتنا اليومية بكل ما فيها من تعب وتفاصيل ومشكلات. والمفارقة أننا نقارن غالبًا كواليس حياتنا بواجهة حياة الآخرين.
لكل إنسان رحلته الخاصة، وظروفه المختلفة، وتوقيت نجاحه الذي لا يشبه توقيت غيره. ما تحقق لغيرك اليوم قد يتحقق لك غدًا، وما تراه نجاحًا كاملًا في حياة شخص آخر قد يخفي خلفه أثمانًا وتحديات لا تعرف عنها شيئًا.
المقارنة المستمرة تجعل الإنسان يقلل من قيمة إنجازاته. فقد يحقق هدفًا كان يحلم به لسنوات، لكنه بدل أن يفرح به ينظر إلى من حقق أكثر منه، فيتحول الإنجاز إلى شعور بالنقص. وهكذا يصبح السباق بلا خط نهاية؛ كلما وصل إلى محطة وجد شخصًا سبقه إلى أخرى.
هذا لا يعني أن نتوقف عن الاستفادة من تجارب الناجحين أو أن نفقد طموحنا، فهناك فرق كبير بين الاستلهام والمقارنة. الاستلهام يقول: «إذا استطاع غيري، يمكنني أن أحاول»، أما المقارنة فتهمس: «لماذا لست مثله؟».
السعادة تبدأ عندما يدرك الإنسان أن المنافسة الحقيقية ليست مع الآخرين، بل مع نفسه بالأمس. أن يتقدم خطوة، ويتعلم شيئًا، ويشكر الله على ما لديه، ويسعى لما يريد دون أن يجعل حياة الآخرين مقياسًا لحياته.
انظر إلى طريقك أكثر مما تنظر إلى طرق الآخرين؛ فربما كنت تملك من أسباب السعادة ما لا تراه، لأنك مشغول بعدّ نعم غيرك.













