صوت الحقيقة
أسماء إدريس
العمل العام رسالة قبل أن يكون موقعًا، ومسؤولية قبل أن يكون وجاهة. ومع ذلك، كثيرًا ما تتحول ساحاته إلى ميادين للخلافات الشخصية، والنقاشات الحادة، والصراعات التي تستهلك الوقت والجهد، وتُبعد الجميع عن الهدف الحقيقي الذي اجتمعوا من أجله.
ليس الاختلاف هو المشكلة، فالاختلاف سنة من سنن الحياة، وهو دليل على تنوع الأفكار والرؤى. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى خصومة، والحوار إلى شجار، والرأي الآخر إلى عداوة. عندها يخسر الجميع، ويتراجع العمل، وتضيع المصلحة العامة وسط ضجيج الخلافات.
إن كثيرًا من النزاعات في العمل العام لا تنشأ بسبب اختلاف المبادئ، وإنما بسبب حب الظهور، أو التمسك بالرأي، أو سوء الفهم، أو غياب ثقافة الحوار. ولو قدم كل واحد مصلحة المؤسسة أو الوطن على مصلحته الشخصية، لوجدنا أن معظم هذه الخلافات يمكن تجاوزها بكلمة طيبة، أو تنازل كريم، أو جلسة صادقة.
المجتمعات الناجحة لا تُقاس بعدد من يختلفون، بل بقدرتهم على إدارة اختلافهم باحترام. فالرأي الآخر لا يُهزم بالصوت المرتفع، ولا تُثبت الحكمة بالغضب، وإنما بالحجة، وسعة الصدر، واحترام الإنسان مهما اختلفت معه.
نحن اليوم في حاجة إلى أن نغرس ثقافة الحوار، وأن نؤمن بأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد، بل فريق متماسك يجمعه هدف واحد. فالعمل العام ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا منصة لإثبات الذات، بل ميدان للعطاء والتضحية وخدمة الناس.
فلنختلف في الآراء، ولكن لنبقَ متفقين على المبادئ. ولنتنافس في الإنجاز لا في الخصومة، وفي البناء لا في الهدم، وفي خدمة المجتمع لا في الانتصار للذات. فالأوطان لا تنهض بالصراخ، وإنما ترتقي بالعقول الهادئة، والقلوب الصافية، والأيدي التي تعمل معًا من أجل مستقبل أفضل.













