على حافة الضوء
د. عمار برهان
تمرّ على الإنسان والأوطان لحظات يبدو فيها الأفق مغطّىً بالدخان، وتثقل الروحَ صورُ الفقد والخراب، حتى يُخيّل للناس أن الطريق قد ضاق إلى آخره كما يحدث الآن في السودان، وفي أعماق هذه اللحظات نفسها تتكوّن بذور التحول فالألم حين يجد وعياً يحمله يتحول إلى معرفة، والحزن حين تسنده الإرادة يصبح طاقة، والمحنة حين تواجهها مجتمعات متماسكة تفتح باباً إلى مستقبل مختلف، التفاؤل في أزمنة الشدة موقف أخلاقي وعقلاني لإنه يمثل القدرة على رؤية الإمكان وسط العجز، وفرصة وسط الخسارة، وبداية داخل ما يبدو نهاية، وهذا التفاؤل يكتسب قيمته من العمل لأن الأمل الذي يلامس الأرض يتحول إلى مدرسة ومزرعة ومصنع ومشروع صغير، ويصير جزءاً من حياة الناس اليومية.
تقدم تجارب الشعوب المختلفة شواهد واضحة على هذه الحقيقة، خرجت اليابان من الحرب العالمية الثانية بمدن مدمرة واقتصاد منهك ومجتمع مثقل بالجراح، اتجه اليابانيون إلى التعليم والانضباط وإعادة بناء الصناعة، وجعلوا الجودة ثقافة عامة، ثم مضوا في تطوير التكنولوجيا والبحث والابتكار، وبعد عقود قليلة أصبحت بلادهم واحدة من القوى الاقتصادية الكبرى، وسلكت ألمانيا طريقاً قريباً، فجمعت بين التخطيط الطويل والعمل المؤسسي والقدرة على استعادة الثقة، أُعيد بناء المدن والمصانع، وتوسعت برامج التدريب، ونشأ اقتصاد قوي على قاعدة الإنتاج والمعرفة، وفي كوريا الجنوبية كان الاستثمار في الإنسان هو المدخل الأهم إذ صعد التعليم، واتسعت الصناعة، وتحولت الدولة خلال أجيال قليلة إلى مركز عالمي في التقنية والتصنيع، أما رواندا، فقد خرجت من مأساة الإبادة الجماعية وهي تحمل جرحاً عميقاً في جسد المجتمع، اختارت المصالحة، ووجهت طاقتها نحو بناء المؤسسات وتحسين التعليم والصحة والزراعة والتقنية وقدمت بذلك درساً مؤثراً في قدرة الشعوب على تحويل الذاكرة المؤلمة إلى مسؤولية وطنية، وعلى جعل المستقبل مساحة مشتركة تتسع للناجين وأبنائهم، هذه التجارب تلتقي عند معنى واحد وهو مصير الأمة تصنعه الطريقة التي تستجيب بها للكارثة، الإرادة الجماعية، والثقة، والإنتاج، واحترام المعرفة، والإدارة الرشيدة، عناصر تفتح الطريق من الخراب إلى العمران.
والسودان اليوم يقف أمام هذا الامتحان الكبير فالحرب تركت جراحاً غائرة في الناس والبيوت والمدن والاقتصاد، كما بعثرت الأسر وأرهقت النفوس ومع ذلك يملك السودان رصيداً واسعاً من القوة، أرضاً خصبةً ومياهاً وثروات متنوعة، وموقعاً مهماً وشعباً عرف الصبر والعمل والتكافل عبر أجيال طويلة، المطلوب هو تحويل هذا الرصيد إلى مشروع وطني واضح، يقوم على المصالحة المجتمعية وإعادة الثقة، وسيادة القانون وحماية المال العام، وتقديم الكفاءة على الولاءات الضيقة.
وتحتاج مرحلة التعافي إلى بناء الإنسان بالتوازي مع بناء الطرق والمستشفيات فالمجتمع الذي أنهكته الحرب يحتاج إلى العدالة، والرعاية النفسية، والتعليم، وخطاب عام يعيد للناس شعورهم بالأمان والانتماء، سلام النفوس هو الأساس الذي تستقر عليه حجارة المدن، ووحدة الوجدان تمنح خطط الإعمار معناها الإنساني، الإعمار مسؤولية وطنية يشترك فيها الجميع، يبدأ من الدولة حين تضع رؤية عادلة ومؤسسات فاعلة، ويمتد إلى المجتمع حين يحمي روابطه، وإلى القطاع الخاص حين يخلق فرص العمل، وإلى السودانيين في المهجر حين ينقلون الخبرة والمعرفة والاستثمار، وإلى الشباب حين يختارون المهارة والإنتاج والمبادرة.
الشباب هم الطاقة الأكثر قدرة على تغيير المعادلة. أمامهم مجالات واسعة في الزراعة الحديثة، والصناعات التحويلية، والطاقة، والبرمجة، والخدمات الرقمية، والحرف، والتجارة الإلكترونية. كل مهارة جديدة تفتح نافذة، وكل مشروع صغير يصنع فرصة، وكل مبادرة لخدمة حي أو قرية تضيف حجراً في بناء الوطن، وقد يبدأ النهوض من ورشة بسيطة، أو فصل دراسي، أو مزرعة صغيرة، أو فكرة تنمو في هاتف شاب يعرف كيف يحولها إلى عمل، التفاؤل الحقيقي نراه في المزارع الذي يعود إلى أرضه، وفي المعلم الذي يجمع طلابه، وفي الطبيب الذي يواصل رسالته، وفي الأم التي تحفظ تماسك أسرتها، وفي الحرفي الذي يصنع منتجاً جيداً، وفي الشاب الذي يتعلم ويشارك ويخدم. هذه الأفعال تبدو صغيرة، غير أن تراكمها يصنع تياراً وطنياً واسعاً.
من رماد المآسي والمحن يولد الفجر حين نمنح الأمل يداً تعمل، وعقلاً يخطط، وضميراً يصون حق الناس، والسودان قادر على كتابة صفحة جديدة تبدأ من الإنسان، وتكبر بالمعرفة، وتحيا بالعدل، وتحمل عنواناً جديراً بتضحيات أهله، وطن يتعافى ويعمل لينهض من جديد.













