داليا الأسد
هو مثل شعبي دارج (أو بيت شعر بليغ من التراث العامي) يعبّر عن الخذلان الشديد وخيبة الأمل بعد الوعود الكبيرة. فهذا التعبير يحمل دلالة بلاغية عالية تصف تبدل الحال من قمة العطاء المنتظر إلى القحط والمنع.
«عشّمتني بالمطر» نجدها تعني أنك جعلتني أعيش على أمل كبير، ومنحتني وعوداً سخية بالخير والفرج القريب، تماماً كالمطر الذي يحيي الأرض العطشى.
«وجَفيت السِّميد» تعني أن الجفاء هنا هو القطع والمنع أو الإبعاد والتحجير، والمقصود بالسميد هو الدقيق الناعم أو القمح المطحون جاهزاً للعجن والخبز، والذي كان يحتاج فقط إلى قطرات الماء ليصبح قوتاً ونعمة. وبدلاً من أن تأتي الوعود بالمطر، انقطع حتى الماء اليسير الذي كان من الممكن أن يُصلح المتاح بين اليدين، فبقي «السميد» جافاً وتالفاً بلا فائدة.
فهذا المثل يُقال عندما يعطيك شخص وعوداً براقة ومبالغاً فيها بتقديم المساعدة أو العطاء، وفي النهاية لا يكتفي بإخلاف وعده الكبير فحسب، بل يتسبب بتصرفه في قطع أو إفساد ما كان متاحاً وممكناً لديك من الأساس.
فالخذلان هو أحد أقسى المشاعر الإنسانية، ويحدث نتيجة انهيار مفاجئ لسقف التوقعات والثقة تجاه شخص أو موقف كنا نعتبره مصدر أمان. ولا يقتصر الخذلان على كونه مجرد خلاف عابر، بل هو «زلزال نفسي» يكسر الطمأنينة ويترك خلفه شعوراً بالمرارة والخيبة.
وتتعدد الزوايا التي يمكن من خلالها فهم هذا الشعور والتعامل معه، لأن التأثير النفسي للخذلان يتمثل في فقدان الأمان، إذ يتبدل شعور الطمأنينة إلى خوف مستمر وتوجس من الآخرين.
فنجد الانكفاء على الذات، بحيث يميل الشخص المخذول إلى العزلة وتجنب التواصل مع العالم، وأزمة الثقة التي يصعب معها على الإنسان، بعد تجربة الخذلان، بناء علاقات جديدة وصادقة بسهولة. فيبقى في المنطقة الرمادية في كثير من الأحيان، ويأتي الخذلان بصورة «مهذبة» أو غامضة، كالانسحاب الهادئ أو الوعود التي لا تكتمل، مما يستهلك طاقة الإنسان في محاولة فهم ما حدث.
فالخطوات العملية لتجاوز مرارة الخذلان تبدأ بتقبل المشاعر، والسماح لنفسك بالحزن والغضب والتعبير عن الألم دون لوم ذاتك، فهذه ردة فعل طبيعية. ولا بد من إعادة بناء سقف التوقعات، وتعلم أن تضع الأشخاص في حجمهم الطبيعي، وألا ترفع سقف التوقعات بشكل مطلق.
ولا بد أن نركز على النمو الشخصي، لأن الضربات التي لا تقتلنا غالباً ما تكون سبباً في تقوية وعينا ونضجنا.
لذلك لا بد من التحدث مع مختص إذا شعرت أن حطام هذه التجربة يمنعك من ممارسة حياتك، فإن استشارة أخصائي نفسي تساعدك على التشافي بشكل صحي. وإن الخذلان تجربة مؤلمة، لكنها تكشف لك الحقائق، وتصفي حياتك من العلاقات المزيفة، لتمنحك فرصة لبداية أكثر وعياً.
فمرحلة إعادة البناء، أي «الترميم النفسي»، تتطلب وضع حدود صارمة بالابتعاد عن مصدر الخذلان، واعلم أن وضع الحدود حماية لنفسك وليس قسوة. ولا بد من استعادة أمانك الذاتي والتركيز على أنشطتك ونجاحاتك الصغيرة، وجدّد ثقتك بقدراتك بعيداً عن تقييم الآخرين لك.
ولا بد من اختيار دوائرك بعناية، وإحاطة نفسك بأشخاص يمنحونك الأمان الفعلي والطمأنينة، لا القلق والشك.
أما مرحلة النضج، أي «المضي قدماً»، فلا بد أن تعلمنا ألا نمنح الثقة المطلقة بنسبة 100% لأي شخص، وأن نجعل اعتمادنا الأول على الله ثم على أنفسنا، وأن نستخلص الدرس الذي يحوّل الوجع إلى خبرة تفيدنا في قراءة المواقف والعلاقات القادمة بوعي أكبر.
وامنع الخذلان التراكمي، ولا تحمل رواسب هذه التجربة إلى الأشخاص الجدد في حياتك، فليس الجميع متشابهين.













