بلا ميعاد : عوض أحمد عمر
▪️
ومتى يكف مشعلوا الحرائق؟
– في السودان.. لم تعد الأزمات التي تضرب المؤسسات دائماً نتيجة نقص الإمكانات..بل كثيراً ما تصنعها سوء الإدارة، وتغذيها الخلافات والتدخلات التي كان يمكن حسمها بالقانون والتجرد والمسؤولية غير المنقوصة .
– وفي ظل حرب أنهكت البلاد، وأزمة اقتصادية ضاغطة ومعاناة تتسع يوماً بعد يوم..كان يفترض أن تبقى الرياضة مساحة للأمل والاستقرار.. لا أن تتحول إلى ميدان ملتهب بالصراعات وتصفية الحسابات.
– وما يحدث لاتحاد كرة القدم المحلي بالخرطوم يختصر هذه الأزمة بوضوح.
– فاتحاد الخرطوم ليس كياناً هامشياً يمكن التعامل معه بمنطق الترغيب والترهيب والتجريب الإداري، وإنما هو واحد من أعرق وأهم الاتحادات المحلية في السودان، وتحت مظلته مئات الأندية وآلاف اللاعبين والمدربين والإداريين والحكام، وظل عبر تاريخه رافداً أساسياً لكرة القدم السودانية.
– ومن ثم فإن تعطيل نشاطه لا يمكن اختزاله في خلاف بين أفراد أو نزاع على مواقع إدارية، لأنه في جوهره تعطيل مباشر لقطاع واسع من منظومة كرة القدم السودانية، وانعكاساته لا تتوقف عند المكاتب، بل تمتد إلى الأندية واللاعبين والجماهير ومستقبل النشاط نفسه.
– معلوم أن الأزمة لم تبدأ اليوم..بل تراكمت على مدى سنوات.. وكان الاتحاد السوداني لكرة القدم طرفاً رئيساً فيها عبر قرارات وتدخلات أدخلت اتحاد الخرطوم في حالة ممتدة من الصراع وعدم الاستقرار.
– وكان المنتظر من الاتحاد السوداني.. باعتباره المؤسسة الأعلى المسؤولة عن إدارة اللعبة، أن يكون مظلة تجمع الاتحادات المحلية وتحمي استقرارها، وأن يتعامل مع الخلافات بالمسؤولية واللوائح والحياد، لا أن يتحول إلى طرف أصيل في صراع أرهق اتحاد الخرطوم وأنديته، وعطل النشاط، وجعل الكرة السودانية تدفع ثمناً باهظاً الآن ومستقبلا .
– المشكلة ليست في وجود تباينات.. فذلك أمر طبيعي في أي مؤسسة، وإنما في صناعة الخلافات ورعايتها، وفي التدخلات التي تجعل الأزمة تتسع بدلاً من أن تحتوي.
– وحين يشعر أي طرف بأن الاتحاد المظلة الأكبر يقف مع طرف آخر، أو يتدخل في التفاصيل الداخلية بما يتجاوز دوره الطبيعي، تبدأ الثقة في المؤسسة نفسها بالتآكل، وتتحول اللوائح من أداة لتنظيم النشاط إلى سبب جديد للتوتر والاحتقان.
– والنتيجة اليوم ماثلة أمام الجميع.. اتحاد الخرطوم مغيب .. والأندية متضررة، والنشاط الرياضي متوقف
– المؤكد في مثل هذه النزاعات لا يخسر المسؤول الجالس خلف مكتبه بقدر ما يخسر النادي الذي أنفق على التسجيلات والإعداد، واللاعب الذي ينتظر المنافسة، والمدرب الذي يبحث عن الاستقرار، والحكم والعامل والجمهور الذي يريد أن يرى فريقه داخل الملعب.
– إن تعطيل نشاط اتحاد الخرطوم في هذه الظروف ليس مجرد شأن إداري، بل مضاعفة لمعاناة أندية تعمل أصلاً تحت ضغط الحرب والغلاء وشح الموارد وتراجع البنية التحتية الرياضية.
▪️آخر الكلم▪️
– هل من المنطق أن تبحث الخرطوم عن استعادة الحياة في ملاعبها ومؤسساتها، بينما تستمر الصراعات الإدارية في إغلاق الأبواب أمام عودة النشاط؟.
– المشهد يعكس خللاً خطيراً يستوجب التدخل والحسم .
– مؤسسة يتم إنهاكها بالصراع وذرع القنابل الموقوتة .. نشاط يتوقف بفعل قاصر . أطراف تتصارع، وفي النهاية تدفع القاعدة الرياضية الثمن.
– الاتحاد السوداني لكرة القدم مطالب، بحكم مسؤوليته، أن يبتعد عن تلغيم الساحة، وألا يستغل سلطاته في الترغيب والترهيب، وأن يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، وألا يستخدم نفوذه لمناصرة طرف على آخر أو لتصفية حسابات انتخابية أو إدارية.
– فالرياضة لا تحتمل الإدارة بمنطق المنتصر والمهزوم، ولا أن تتحول المؤسسات إلى أدوات في معارك الأشخاص.
– وإذا كانت هناك جهود لمعالجة الأزمة وفتح باب التسوية، فإن نجاحها لن يقاس بعدد الاجتماعات ولا بحجم البيانات، وإنما بالنتيجة العملية.. عودة النشاط.. واستعادة الأهلية كاملة غير منقوصة ولا موجهة.
– المطلوب واضح بلا تغبيش إبعاد الحسابات الشخصية، ووقف التدخلات التي تعمق الأزمة، والاحتكام إلى القانون والنظام الأساسي، وضمان استقلال المؤسسة، وفتح الطريق أمام الأندية لتختار من يدير اتحادها في أجواء حرة وشفافة.
– اتحاد الخرطوم الرائد أكبر من الأشخاص، وأكبر من الصراعات، وأكبر من أي مجموعة تحاول فرض إرادتها عليه.
– وإذا كان الاتحاد السوداني لكرة القدم قد أصبح جزءاً أساسياً من الأزمة، فإن مسؤوليته التاريخية اليوم أن يكون جزءاً حقيقياً من الحل، وأن يدرك أنه مظلة يفترض أن تستوعب الجميع، لا أن تدخل في صراع مع الجميع.
– أعيدوا لاتحاد الخرطوم حقه في الحياة، ولأنديته حقها في اللعب، وللجماهير حقها في أن ترى الكرة داخل الملعب، لا أسيرة صراعات إدارية تعلي الخاص فوق العام.. وتدفع كرة القدم السودانية إلى مزيد من التراجع والانقسام.













