بوح الحبر
د. الحبر عبد الوهاب
النجوع شمالًا (2)
في رحلتنا تلك التي يممنا فيها وجوهنا شطر مصر للدراسة في ذلك الشتاء كنت أنا وصديقي (قريب الله) نشدو بأغاني (مصطفى سيد أحمد) و(الرشيد كسلا)، والتي كنا نرددها في داخلية (الدندر) في الجيلي الثانوية. كنت أبدأ له المقطع فيكمله:
أقول:
“غدار دموعك ما بتفيد في زول حواسه اتحجرت” فيردد:
“كمَّل معاك كل السبل إيديهو ليك ما قصرت”.
وفي “النمر” رددنا “رماد الذكرى لو صحّاك لا تهتم”.
“نمرة ستة” وسط صحراء “بيوضة” بشجيرات النيم الشاحبة التي انتصبت وسط رمالها كانت كأنها واحة في ذلك الضياع، لا شيء غير الرمال وهياكل عظمية لجمال حاولت أن تجتاز هذه الأمواج من الرمال يومًا ما، لكنها نفقت هنا. من يصدق أن سلاطين باشا قطعها هاربًا إلى أسوان على ظهر جمل؟!
هدَّنا القطار المتهالك بتوقفه الممل وأعطاله الكثيرة، لكنه أوصلنا على كل حال “مشكورًا” إلى حلفا القديمة قرابة الثانية صباحًا. كان الظلام دامسًا إلا من لمبة واحدة في رأس القطار، كأنها عين الشيطان، أما “عرباته” فقد زادها الغبار ظلامًا. طلبنا قضاء حُشاشة الليل فيه، لكن “الكماسرة” أصروا على نزولنا. ترجَّلنا ومعنا حقائبنا المتواضعة، وسألنا عن “حلفا” فقيل لنا إنها في هذا الاتجاه، والذي علمنا فيما بعد أنه كان غربًا.
سرنا مسافة ثم علمنا أن حلفا ليست قريبة، وأنها لا تختلف عن “هنا”، وأن لا فنادق فيها، أما سكانها من الحلفاويين الذين جاؤوا معنا في القطار فقد استقبلهم أهلهم بعربات أشبه بـ “الكندا” التي رأيتها توزع “الرغيف ” في “القراري” في زمن بعيد.
جلسنا حلقة واحدة ونحن نرتجف من شدة البرد، لم يكن معنا سوى “ملايات” أقسمت أمهاتنا أن نحملها معنا. كأنهن كنَّ يعلمن ما سنعانيه. جلسنا “نكتكت”. كان البرد يأتي من السماء والأرض، بل ما كنا ندري من أي جهة يأتي.
وبعد جلوس مضنٍ امتد كثيرًا، كدنا نتجمد معه، بدأ الخيط الأبيض يتميز من الخيط الأسود بقدوم الفجر، ثم بدأ غبش الفجر يرسم معالم الأشياء، شرقًا القطار العجوز، وأمامه جبل عليه صهريج أسود، وغربًا حلفا القديمة ببيوتها الطينية الحمراء، والنيل الذي كانت تقبل مياهه اليابسة بأمواج متكسرة. نهضنا و”طلَّقنا أرجلنا” ثم حملنا حقائبنا، وتوجهنا صوب سوق حلفا رغم أن المقاهي والمطاعم لمّا تفتح أبوابها!.













