د. عمار برهان
على حافة الضوء
يا لها من مفارقة عجيبة تليق بهذا العصر الغريب الذي اختصر المشاعر الإنسانية الجميلة في بضعة رموز وأيقونات، وجعل الوفاء والمحبة قيم مرتبطة بكلمة مرور تافهة في منصات التواصل الإجتماعي، فيما مضى كان الخلاف الزوجي في السودان يستدعي كبير العائلة بوقاره وحكمته و(كباية الشاي) قبل أن تبرد يتحدث الجميع عن الصبر والستر والالتزام، واليوم يدخل (الجوال) إلى الاجتماع الأسري مرتدياً (الجلابية والعمة) قبل الزوجين ويعرض أدلته الملونة ثم يجلس في صدر المجلس كخبير جنائي يحمل ألف صورة ومحادثة ورسالة محذوفة.
تحول فيسبوك والواتساب إلى محققين دائمين في الحياة الزوجية يعملان طوال اليوم بلا راتب ولا إجازة ولا ضمير أخلاقي أو مهني، يبدأ التحقيق بإعجاب أو (لايك) صغير تحت صورة ما ثم يتضخم حتى يصبح قضية أمن قومي، (ما قلت لي دي منو دي؟ والبخيلك تعمل ليها لايك شنو؟ والمناسبة شنو عشان ترسل ليها تلاتة وجوه ضاحكة ورا بعض؟)، بينما يجلس الزوج آخر الليل ممسكاً بالهاتف كموظف مراجعة في ديوان الضرائب يحصي التعليقات، ويدقق في توقيت الظهور ويقارن بين آخر اتصال وآخر رسالة، وفي الجهة الأخرى تمارس الزوجة عملها كرقيب لدود أو (مفتشة عامة) تراجع قائمة الصديقات وتراقب القصص اليومية وتحلل عبارة (تصبحي على خير) وفق مناهج البحث الجنائي، يصبح القلب الأحمر شاهد إثبات و(الإيموجي) المبتسم قرينة قوية وحذف الرسالة اعترافاً قضائياً مكتمل الأركان.
في حالات واقعية متكررة، اكتشفت زوجة أن زوجها يرسل كل صباح عبارة (صباح الورد) إلى زميلة في العمل، شرح الرجل أن العبارة مجاملة عادية فرأت الزوجة أن الورد نفسه يحمل شبهة جنائية وأن مكانه الطبيعي في الحديقة وليس على (تيك توك) واتسع الخلاف ليصبح بحجم المحيط الأطلسي، دخلت الأسرتان في عراك وتحولت باقة إلكترونية مجانية إلى ملف قضائي باهظ التكلفة، وفي حالة أخرى، ضغطت زوجة زر الإعجاب على صورة زميل قديم في مناسبة تخرجه فاعتبر الزوج الإعجاب خطاباً غرامياً و(صاروخاً) موجّهاً وبدأ يستخرج من أرشيف فيسبوك تفاعلات تعود إلى سبع سنوات مضت، حاله مثل حال عالم آثار عثر أخيراً على تماثيل مملكة حضارية كانت مفقودة، انتهت المسألة بانفصال شارك في صناعته إصبع صغير تحرك نصف سنتيمتر فوق شاشة لعينة.
تزداد خطورة الأمر في المجتمع السوداني حيث تسافر الأخبار أسرع من الإنترنت نفسه، عندما ترى الخالة الصورة وتنقلها إلى العمة، ستضيف الجارة تفسيراً من عندها ثم يصل الخبر إلى الزوج وقد اكتسب شهوداً وتفاصيل وموسيقى تصويرية خلال ساعات ليصبح فلماً وثائقياً، تتحول الرسالة غامضة إلى علاقة كاملة ويصبح كل فرد في الأسرة خبيراً في تحليل الرموز التعبيرية على انستغرام ، مع أن بعضهم ما زال يرسل رسالة (صباح الخير) في قرب العائلة عند منتصف الليل، ويرسل (جمعة مباركة) يوم الاثنين ، تمنح وسائل التواصل الشك غرفة مفروشة داخل البيت، ثم تتكفل العائلة بدفع الإيجار، ينام الزوجان تحت سقف واحد فيما يقيم كل منهما داخل شاشة منفصلة، الحديث المباشر يتراجع والمراقبة تتقدم، والخصوصية الزوجية بكل ما تستحقه من احترام تتحول بقدرة قادر إلى تهمة جاهزة، تحتفظ الهواتف الذكية بالأخطاء بعد انتهاء الغضب ليستفيد منها المستخدم بطريقة غبية كأرشيف جنائي، الكلمة التي كان يمكن أن يبددها اعتذار صادق تبقى محفوظة في لقطة شاشة، قابلة للتكبير والطباعة والإرسال وهكذا يتحول الخلاف العابر إلى معرض دائم (للفضائح) يزوره الأقارب كلما اقترب الصلح فينعشون الأزمة بعبارة (لكن الرسالة دي كان قصدك منها شنو؟)
القضية أعمق من تطبيقات بريئة أو هواتف ذكية أو شديدة الغباء، إنها ببساطة أزمة ثقة وتجاوز حدود وضعف حوار، لدرجة يصعب فيها التمييز بين المجاملة والخيانة، تحتاج الحياة الزوجية إلى اتفاق واضح بشأن الخصوصية وطبيعة العلاقات الإلكترونية وطريقة معالجة الشك قبل أن يصبح أمراً واقعياً، الحياة أبسط من هذا التعقيد ولا تحتاج أن يحمل كل زوج محكمة صغيرة في جيبه، فيسبوك يجمع الشهود والواتساب يحفظ المحاضر ولقطة الشاشة تصدر الحكم، الحب الحقيقي وهو ذلك الكائن القديم قليل الخبرة بالتقنية سيقف خارج القاعة منتظراً أن يتذكر الزوجان بكل عقلانية أن البيت يُحمى بالروح الطيبة والحوار الرزين والثقة في شريك الحياة، يجب ألا نجعل أجمل العلاقات تخسر معركتها أمام هاتف مشحون بالكامل وعقل أنهكه سوء الظن.













