رندا يوسف مختار
في أوقات الحروب والأزمات، لا تحتاج الأوطان إلى مزيد من الانقسام، بقدر ما تحتاج إلى التكاتف، وإلى استحضار كل ما يجمع أبناءها ويقوي روابطهم، حتى تعبر المرحلة الصعبة بأقل الخسائر، وتفتح الطريق أمام مستقبل أكثر أمناً واستقراراً.
والسودان، هذا الوطن الذي يشبه القارة في اتساعه وتنوعه، لم يكن يوماً لوناً واحداً أو ثقافة واحدة. ففي تنوعه تكمن واحدة من أجمل خصائصه؛ قبائل وثقافات ولهجات وعادات وتقاليد متعددة، لكنها جميعاً اجتمعت عبر التاريخ تحت راية وطن واحد.
أتذكر أيام الدراسة في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا، وكيف كانت الروابط الاجتماعية لوحة حقيقية تعكس جمال المجتمع السوداني. كنت تجد المحس إلى جانب الشوايقة، وأبناء الشرق مع أبناء كردفان، وأبناء الشمال والوسط والجنوب ودارفور، يجمعهم مكان واحد، وتجمعهم المودة والاحترام وروح الزمالة.
لم تكن تلك الاختلافات سبباً للفرقة، بل كانت مصدر ثراء وجمال. كنا نكتشف السودان من خلال بعضنا البعض؛ نتعرف على لهجات وعادات وأكلات وأغانٍ وملامح مختلفة، ونكتشف في النهاية أن ما يجمعنا أكبر بكثير مما يفرقنا.
اليوم، وفي ظل الحرب وما خلفته من نزوح وفقدان وتشرد وآلام، نحن أحوج ما نكون إلى استعادة تلك الروح. فالحرب لا تترك وراءها الخراب المادي وحده، وإنما قد تمتد آثارها إلى النسيج الاجتماعي، إذا سمحنا للعنصرية والجهوية وخطاب الكراهية أن تجد لها مكاناً بيننا.
نبذ العنصرية ليس ترفاً، بل ضرورة وطنية.
والجهوية لا تبني وطناً، والكراهية لا تصنع مستقبلاً. السودان يحتاج إلى أبنائه جميعاً، بكل تنوعهم، وبكل اختلافاتهم، لأن قوة الوطن الحقيقية في قدرته على جمع هذا التنوع داخل هوية وطنية واحدة.
وفي هذه المرحلة، علينا أن نعيد النظر في خطابنا، خاصة في مواقع التواصل الاجتماعي، وأن نتوقف عن نشر ما يزيد الاحتقان ويعمق الجراح. الكلمة قد تكون جسراً يعيد الناس إلى بعضهم، وقد تكون شرارة تشعل خلافاً جديداً.
فلنختلف، إن اختلفنا، باحترام. ولنتذكر أن الدم السوداني واحد، وأن آلام الأسر السودانية واحدة، وأن حلمها في الأمن والسلام والاستقرار واحد.
إن تقليل وطأة الحرب لا يكون فقط بالحلول السياسية والعسكرية، وإنما يبدأ أيضاً من المجتمع نفسه؛ من الأسرة، والجامعة، ومكان العمل، والحي، والروابط الاجتماعية، ومن كل سوداني قادر على أن يقول كلمة تجمع ولا تفرق.
نحتاج أن نعيد السودان الذي عرفناه؛ السودان الذي كان فيه ابن الشمال صديقاً لابن الشرق، وابن الغرب أخاً لابن الوسط، والذي كانت فيه المناسبات تجمع الجميع دون سؤال عن القبيلة أو المنطقة.
السودان جميل بتنوعه، وقوته في وحدته.
وإذا كان هذا الوطن يشبه القارة المصغرة بتعدد ثقافاته وشعوبه ولهجاته، فإن أجمل ما فيه أن هذا التنوع يمكن أن يتحول إلى مصدر قوة، لا إلى سبب للانقسام.
ربما تكون هذه الحرب قد أخذت منا الكثير، لكنها يجب ألا تأخذ منا أهم ما نملك: إنسانيتنا، ومحبتنا لبعضنا، وإيماننا بأن السودان وطن يتسع للجميع.
فلنعد إلى تلك الروح التي عرفناها في الجامعات والروابط والأحياء والمناسبات؛ روح التكافل والتعارف والمحبة. ولنجعل من اختلافنا لوحة سودانية جميلة، لا ساحة للصراع.
فالسودان لا يحتاج إلى أن يتشابه أبناؤه حتى يتوحدوا، بل يحتاج إلى أن يحترم أبناؤه اختلافاتهم ويتفقوا على وطن واحد.
وحتى نعبر هذه المرحلة بأقل الخسائر، علينا أن نوحد الصف، وننبذ العنصرية والجهوية، ونحفظ النسيج الاجتماعي، ونترك للأجيال القادمة وطناً يستحق أن نحلم به جميعاً.
السودان وطن الجميع.. وتنوعه ثروة، ووحدته أمانة.













