على حافة الضوء
د. عمار برهان
يحتل تشينوا أتشيبي مكانة بارزة في الأدب الأفريقي بوصفه روائياً وشاعراً وناقداً وأستاذاً جامعياً مرموقاً حمل ثقافة قارته إلى العالم ومنح أهلها حضوراً إنسانياً يستمد قوته من تفاصيل حياة المجتمعات المحلية، وُلد عام 1930 في نيجيريا، وانتمى إلى قومية (الإغبو) التي استوطنت مناطق على ضفاف نهر النيجر، ومن ذلك المحيط الغني بالعادات والأمثال والمعتقدات تشكلت حساسيته الأدبية، ونمت قدرته على تصوير التحولات العميقة التي أحدثها الاستعمار في حياة مجتمعه، تلقى تعليمه الأولي في مدرسة سانت فيلبس ثم انتقل إلى الكلية الحكومية في (أومواهيا) حيث اتسعت علاقته بالكتب وصارت القراءة شغفه اليومي. وفي كلية (إبادان) الجامعية حصل على منحة لدراسة الطب ثم اختار الإنجليزية والتاريخ واللاهوت استجابة لميوله الفكرية، وقد منحه هذا التكوين الثقافي معرفة باللغة والثقافة والدين ظهرت آثارها في أعماله الروائية ومقارباته للعلاقة بين المجتمع الأفريقي والحضور الأوروبي، بعد تخرجه مارس تدريس الإنجليزية والتحق بالإذاعة النيجيرية وتدرج فيها حتى تولى مسؤولية شبكة المنطقة الشرقية، مهتماً بتوسيع الوعي بين السكان، وتنقل بين العمل الثقافي والخدمة المدنية والتدريس الجامعي في نيجيريا والولايات المتحدة وفي عام 1961 تزوج (كريستينا أوكولي) ورُزقا بأربعة أطفال، بينما أخذت تجربته الأدبية تتسع وتكتسب حضوراً متنامياً.
اختار أتشيبي الإنجليزية وسيلة للتعبير عن التجربة الأفريقية ومخاطبة القارئ الغربي وأثار اختياره هذا نقاشاً محتدماً بين كتّاب رأوا في لغة المستعمر تهديداً للثقافة المحلية، خلال مرحلة اتسمت بتصاعد النضال من أجل الاستقلال، وتمسك بمشروعه موظفاً اللغة في نقل الموروث الشعبي والقيم الأصيلة وتفكيك الصور العنصرية وبذلك أقام جسراً بين ثقافتين، وأتاح للأفارقة أن يجدوا ملامحهم في سردٍ يستحضر تفاصيل حياتهم، وأتاح للقراء الآخرين أن يقتربوا من مجتمع غني بتاريخه وأسئلته وتناقضاته وبدأ نشر مقالاته خلال سنوات الجامعة، وكتب قصة (في كنيسة القرية) مستكشفاً الحياة الريفية وصلتها بالمؤسسات المسيحية وأثر الاستعمار في السكان وجاءت روايته (الأشياء تتداعى) عام 1958 لتمنحه شهرة عالمية، إذ تُرجمت إلى أكثر من خمسين لغة وأصبحت من أبرز الأعمال المعبرة عن الثقافة الأفريقية وتحولاتها، وقدمت الرواية مجتمعاً له عاداته ونظامه وقيمه، ساردةً ما أصابه من تصدع مع التدخل الاستعماري وامتد تأثيرها إلى المدارس والجامعات والأوساط السياسية، وقد وصف نيلسون مانديلا أتشيبي بأنه (الكاتب الذي انهارت جدران السجن في صحبته)، وفي رواية (ليس مطمئناً) انتقل إلى حياة المدينة واتخذ من لاغوس فضاء لمعالجة الفساد والتحديات التي واجهت الأجيال التالية وهي تتطلع إلى الحرية وبناء حياة مدنية تجمع القيم الأصيلة ومتطلبات العصر، ثم جاءت رواية (سهم الرب) عام 1964، مستندة إلى معرفته بعادات مجتمعه ومعتقداته، لتتناول العلاقة بين الثقافة المحلية والمسيحية الأوروبية، وفي رواية (ابن الشعب)، الصادرة عام 1966، اتجه إلى نقد السلطة ومشكلات الدولة الأفريقية بعد الاستقلال، عبر معالجة أدبية تكشف التعثر السياسي والاجتماعي.
وتكشف هذه الأعمال مساراً متصلاً في رؤيته لأفريقيا، يبدأ من القرية وتقاليدها، ويمر بالمدينة وتعقيداتها، ويصل إلى السلطة وأزماتها. وفي كل مرحلة، يظل الإنسان محور الحكاية، حاملاً تطلعاته إلى الكرامة والاستقرار، ومتفاعلاً مع التحولات التي تعيد تشكيل علاقته بذاته ومجتمعه والعالم الأوسع، كما تنوع إنتاجه بين الرواية والقصة والشعر والنقد، ومن أعماله «كثبان النمل في السافانا» ومجموعة (فتيات في الحرب) وحضرت الأمثال في كتاباته بوصفها خلاصة للخبرة الشعبية تمنح السرد إيقاعه ومعناه، ومن أشهرها (إذا غسل الطفل يديه فباستطاعته حينئذ أن يأكل مع الملوك)، و(عندما يسطع القمر يجوع الكسيح إلى المشي)، وفي هذه العبارات تتجاور معاً الحكمة والطموح والتأمل في الطبيعة الإنسانية.
قضى أتشيبي سنواته الأخيرة في الولايات المتحدة لتلقي العلاج إثر حادث سير تعرض له، وواصل التدريس في جامعة براون، وتوفي في 21 مارس 2013، عن اثنين وثمانين عاماً تاركاً إرثاً أدبياً واسعاً، وظلت الرواية العظيمة (الأشياء تتداعى) مرتبطة باسمه كما ترتبط الأعمال الكبرى بأصحابها، شاهدة على قدرته على صياغة المعطيات المحلية في أدب عالمي يستحق القراء والاحترام، وعلى قوة الحكاية في حماية الهوية وتوسيع فهم الإنسان لأخيه الإنسان.













