بين فرحة المملكة بيومها الوطني الـ96 ووجع السودان.. حكاية قلب يحمل وطنين
م. محمد الجيلي الشيخ
في هذا اليوم الوطني المجيد، أتوقف أولًا لأعبر عن عظيم الشكر والامتنان للمملكة العربية السعودية، هذا الوطن الكريم الذي لم يكن بالنسبة لي مجرد بلد إقامة، بل أرضًا صنعت جزءًا كبيرًا من رحلتي في الحياة. هنا تشكلت شخصيتي في عالم الأعمال، وهنا كانت خطواتي الأولى نحو النجاح، وعلى أرضها حققت إنجازاتي المهنية والشخصية. وهنا أيضًا وُلد أبنائي، وتكوّنت أسرتي الصغيرة، وعشت أجمل محطات العمر وأغلى الذكريات.
ومن نعم الله التي أعتز بها أنني وأسرتي حصلنا على الإقامة المميزة الدائمة، وهو امتياز عزز شعوري بالأمان والاستقرار والانتماء لهذا الوطن العظيم.
فشكرًا للمملكة العربية السعودية حكومةً وشعبًا، وشكرًا لقيادتها الحكيمة التي صنعت نهضةً أصبحت مصدر إلهام للعالم، وشكرًا لشعبها الكريم الذي جعل من الغريب واحدًا من أهله. المملكة العربية السعودية ستبقى دائمًا وطني الثاني، وبلدًا ارتبط اسمه بنجاحاتي وأسرتي وأجمل مراحل حياتي.
وطن يحتفل.. وقلب يحمل غصة
السودان.. الوجع الذي يسكن القلب
في العيد الوطني السعودي… تتزيّن الشوارع بالأخضر، تلمع الأبراج، تعلو الأغاني الوطنية، وتشعر أن الفرح يمشي في الهواء. نفرح معهم… نرفع العلم… نبتسم… لكن خلف الابتسامة شيءٌ ينكسر.
غصة لا يعرفها إلا من حمل وطنًا ينزف
بين كل ضحكة… بين كل أغنية وطنية… بين كل لحظة احتفال… تتحرك غصة صغيرة في الحلق، غصة تكبر… تكبر… حتى تصبح دمعة. غصة اسمها: السودان.
يا الله… كيف يمكن للإنسان أن يحتفل هنا… بينما هناك وطنٌ آخر يحترق؟ كيف يمكن للقلب أن يرقص على أنغام العيد… بينما في داخله صراخٌ لا يسمعه أحد؟
دموع تنزل دون إذن… كأنها تعتذر للوطن
في لحظةٍ ما… وأنت تزيّن سيارتك بالعلم السعودي، وأنت تضع الأعلام في محلك، وأنت تشاهد الأطفال يضحكون… تسقط دمعة. دمعة لا علاقة لها بالعيد… دمعة خرجت من مكانٍ بعيد… من الخرطوم… من أم درمان… من بحري… من قلب أمٍ تبحث عن ابنها… من شابٍ فقد بيته… من وطنٍ صار يكتب تاريخه بالدم.
دمعة تقول: «يا سودان… سامحني لأنني أفرح هنا بينما أنت تبكي هناك».
السودان… وطن إذا ذُكر اختنق الصوت
نحن في السعودية… نعيش، نعمل، ننجح، نكبر… لكننا نحمل السودان معنا كجرحٍ مفتوح، جرحٍ لا يلتئم مهما ابتعدنا، جرحٍ يجعل الفرح ناقصًا… والضحكة مكسورة… والعيد نصف عيد.
السودان ليس مجرد وطن… السودان وجعٌ يمشي معنا، وجعٌ في كل خطوة، وجعٌ في كل ليلة، وجعٌ في كل عيدٍ نحتفل به بعيدًا عنه.
ورغم كل هذا الألم… هناك وعد لا يموت
نعم… نبكي. نعم… نحزن. نعم… نتألم حتى تنفطر الروح. لكن… هناك شيءٌ واحد لا يسقط: الأمل.
الأمل بأن السودان سيعود… سيعود مهما طال الليل، سيعود مهما اشتد الألم، سيعود لأن أبناءه لم يتركوه، ولم ينسوه، ولم يتخلّوا عنه.
سيعود السودان… ليس كما كان… بل أقوى، أجمل، أنقى، بأيدي أبنائه الأوفياء الذين حملوه في قلوبهم رغم الغربة، ورفعوه في دعائهم رغم الألم، وحفظوه في دموعهم رغم الفرح.
لكن في داخلنا وطنٌ آخر يبكي.
وعدٌ نكتبه الآن: سنعود يا سودان… سنعود لننهضك، لنعمّرك، لنمسح دمعتك، لنردّ لك الحياة. سنعود أقوى… لأنك أنت أصل القوة.
ختامًا
في هذا اليوم الوطني رقم 96 أرفع أصدق التهاني للمملكة العربية السعودية قيادةً وشعبًا، داعيًا الله أن يديم عليها الأمن والعز والرخاء. وأرفع في الوقت نفسه الدعاء لوطني السودان أن يمنّ الله عليه بالسلام والاستقرار والنهوض من جديد.
نفرح مع السعودية حبًا ووفاءً، ونبكي على السودان شوقًا وأملًا، وبين الوطن الثاني والوطن الأم تبقى القلوب ممتلئة بالامتنان والدعاء والمحبة.
حفظ الله المملكة العربية السعودية وأدام عزها ومجدها. وحفظ الله السودان وجبر خاطره وردّ إليه الأمن والاستقرار.
وطنان في القلب… لا يتعارضان
السعودية وطن العطاء الذي احتضن الأحلام، والسودان وطن الروح الذي لا يغادر الوجدان.
نفرح هنا وفاءً… وندعو هناك حبًا… وبين الفرح والوجع تبقى القلوب مؤمنةً بأن الغد أجمل، وأن الله لا يضيّع الأوطان ولا أحلام المخلصين.













