دز إقبال الباقر
نحن لا نعاتب من لا يعنينا، بل نعاتب من نحب، وهذه هي الحقيقة الأولى التي يجب أن نفهمها قبل أن نغضب من أي عتاب.
الغريب يمر بجانبنا فنتركه، أما القريب، فإذا جرحنا، نتوقف ونتألم ثم نعاتب؛ لأن العتاب في جوهره ليس هجومًا، بل هو محاولة أخيرة للإبقاء على الود. هو أن تقول للآخر: أنت ما زلت مهمًا لدرجة أنني لا أستطيع أن أتجاوز جرحك بصمت.
كثير من الناس يظن أن قلة العتاب قوة، وأن الصمت حكمة، والحقيقة أن الصمت الطويل يقتل أكثر مما يشفي؛ فالمشاعر التي لا يُعبَّر عنها لا تموت، بل تتراكم وتتحول إلى جليد، والجليد إذا لم يذب بالعتاب الصادق، ذاب بالرحيل البارد.
العتاب نوعان: عتاب يبني، وعتاب يهدم.
العتاب الذي يبني هو الذي يأتي بنية الإصلاح، لا بنية الانتقام. تختار له وقتًا هادئًا، وكلمات تحفظ الكرامة. تقول: «أنا شعرت بالوحدة حين تأخرت»، ولا تقول: «أنت أناني ولا تهتم». الأولى دعوة للحب، والثانية إعلان حرب، والفرق بينهما كلمات قليلة، لكنها قد تصنع مصير علاقة.
أما العتاب الذي يهدم، فهو العتاب الكثير المتكرر، الذي يعيد فتح كل الملفات القديمة في كل خلاف جديد. هذا النوع لا يترك للمودة مكانًا؛ فكثرة العتاب، كما قال الحكماء، تورث الضغينة، وكثرة المساس تبلّد الإحساس، فيسمعك الطرف الآخر بجسده لا بقلبه.
وهنا يأتي السؤال الأهم: متى نعاتب ومتى نصمت؟
عاتب من إذا عاتبته فهمك، واعتذر وتغيّر؛ فهذا هو الحبيب الذي يستحق عناء الكلام. أما من إذا عاتبته برّر واستهان واستخف بدمعك، فاعلم أن عتاب من لا يقدّر عتابك إضاعة للود، فليس كل شخص يستحق أن تمنحه شرف عتابك.
وقد أحسن من قال:
إذا ذهب العتاب فليس ودٌّ
ويبقى الود ما بقي العتابُ
فالعتاب دليل بقاء الود لا انتهائه. فإذا رأيت شخصًا يكف عن عتابك، فاعلم أنك لم تعد تعنيه، وأن قلبه قد بدأ يغادرك بهدوء.
لذلك، عاتبوا من تحبون بلطف، وأوجزوا في العتاب، فإن طوله يذهب هيبته. ولا تجعلوا العتاب سكينًا تجرحون به، بل اجعلوه جسرًا تعبرون به نحو بعضكم.
العلاقات لا تموت من العتاب، بل تموت من الصمت الذي كان يجب أن يكون عتابًا ولم يكن.













