24 سبتمبر يعيد سيرة صوتٍ استثنائي سكن وجدان السودانيين
الغناء أنقذه من التلعثم وقاده للنجومية
1963 عام الانطلاقة من الإذاعة السودانية
إبراهيم الكاشف صنع له «مشاية» الطفولة
«أكثر من حب» دشنت مشواره الإذاعي
عمر الشاعر شكل معه ثنائية استثنائية
«كنوز محبة» أحدثت تحولاً في مسيرته
من العباسية انطلقت رحلة فنان استثنائي
قصر الشوق يفتح أبواب الذكريات الجميلة
عماد أحمد ـ آكشن سبورت
تمر علينا اليوم، 24 سبتمبر، الذكرى الخامسة عشرة لرحيل الفنان الكبير زيدان إبراهيم، «العندليب الأسمر»، الذي غادر دنيانا في مثل هذا اليوم من عام 2011، بعد رحلة فنية ثرية ترك خلالها إرثاً غنائياً لا يزال حاضراً في وجدان السودانيين. خمسة عشر عاماً مضت، وما زال صوت زيدان يحتفظ بعذوبته وخصوصيته في وجدان الناس، وتظل أغنياته قادرة على استدعاء الذكريات وإشعال الحنين كلما انساب صوته عبر الأثير. لم يكن زيدان مجرد مطرب صاحب صوت جميل، بل كان مدرسة متفردة في التطريب وحسن اختيار الكلمة واللحن، واستطاع أن يصنع لنفسه مكانة خاصة وسط جيل حافل بالعمالقة. رحل الجسد، لكن بقيت «كنوز محبة» و«قصر الشوق» و«في بعدك يا غالي» وغيرها، شاهدة على فنان عبر الزمن وظل حياً بأغنياته.
مولد العندليب
ولد محمد إبراهيم زيدان في السادس من أغسطس 1943 بحي العباسية في أم درمان، وكان والده يعمل محاسباً بمدينة عطبرة ويتنقل بين أقاليم السودان بحكم عمله. وكان زيدان وحيد أسرته، وسُجل في شهادة الميلاد باسم محمد، إلا أن القابلة اختارت له اسم «زيدان» تيمناً بجده، وهو الاسم الذي لازمه واشتهر به، ولم يكن اسماً فنياً كما قد يعتقد البعض.
بدأ تعليمه بمدرسة كادقلي الشرقية، ثم عاد إلى أم درمان وأكمل المرحلة الأولية بمدرسة بيت الأمانة، ودرس المرحلة الوسطى بمدرسة حي العرب، قبل أن يلتحق بمدرسة أم درمان الأهلية الثانوية.
ومن المفارقات اللافتة في طفولته أن الفنان الكبير إبراهيم الكاشف، الذي سيصبح أحد رموز الفن السوداني، صنع للصبي زيدان «مشاية» خشبية عندما قصدت والدته ورشته بحي الموردة، وكأن القدر كان يرسم مبكراً علاقة الطفل بعالم الفن.
موهبة مبكرة
لم تظهر على زيدان في طفولته ميول واضحة إلى الغناء، بل كان تلميذاً مجتهداً، وبرز اهتمامه بالرسم والنحت والأعمال اليدوية، حتى كاد يتجه إلى الفن التشكيلي.
وفي مدرسة حي العرب الوسطى لعب أستاذ اللغة العربية محمد أحمد قاسم دوراً مهماً في حياته. وكان زيدان يعاني التلعثم في الكلام، فنصحه أستاذه بأن يختلي بنفسه ويغني، حتى يساعده ذلك على تجاوز المشكلة. أخذ زيدان بالنصيحة وتمكن بالفعل من التخلص من التلعثم، ليفتح الغناء أمامه باباً لم يكن يدرك أنه سيقوده إلى النجومية.
وجاءت البداية الفنية الحقيقية خلال دراسته بمدرسة أم درمان الأهلية، بعدما شجعه إبراهيم والطيب محسن، شقيقا الشاعر بشير محسن، على الغناء في النشاطات المدرسية. وغنى وقتها اعنية «الزول أبو عيون كحيلة»، بمصاحبة زميله الموسيقي صالح عركي على العود.
قرار مصيري
وجد زيدان دعماً كبيراً من ناظر المدرسة خالد موسى، الذي آمن بموهبته وشجعه، لكن الأوضاع تغيرت بعد انتقال الناظر إلى مدرسة أخرى. وكان زيدان قد بدأ الغناء في أحياء أم درمان وترديد أغنيات محمد وردي ببراعة حتى أطلق عليه لقب «وردي الصغير».
وعندما علم ناظر المدرسة الجديد بنشاطه الفني خيّره بين الدراسة والغناء، فاختار زيدان الفن وضحى بمواصلة دراسته، في قرار حاسم رسم بقية حياته.
وفي عام 1959 دخل مباني الإذاعة السودانية عبر البرنامج الشهير «ركن الهواة»، الذي كان يقدمه عباس بانقا، وقدم أغنية محمد وردي «بيني وبينك والأيام».
وفي الفترة نفسها تلقى دعوة للمشاركة في حفل خيري لصالح المتضررين من السيول والأمطار، لكنه لم يتمكن من الغناء بعد موقف حدث قبيل الحفل، فابتعد عن الغناء لنحو أربع سنوات، قبل أن يعود أكثر إصراراً.
انطلاقة حقيقية
في عام 1963 أُجيز صوت زيدان إبراهيم في الإذاعة السودانية، وكان للشاعر عوض أحمد خليفة دور كبير في تشجيعه والوصول به إلى ميكروفون الإذاعة.
وسجل أولى أغنياته «أكثر من حب»، وهي من ألحانه، ثم قدم «عاطفة» للشاعر مهدي محمد سعيد. واعتمد في بداياته بصورة كبيرة على ألحانه الخاصة.
وبعد ذلك شق طريقه وسط ساحة غنائية كانت تزخر بأسماء كبيرة، من بينها عثمان حسين، والتاج مصطفى، وعثمان الشفيع، وسيد خليفة، وإبراهيم عوض، ومحمد وردي، وعبدالكريم الكابلي.
ورغم صعوبة المنافسة، نجح زيدان في فرض شخصيته الفنية، مستفيداً من موهبته وصوته وقدراته التطريبية وحسن اختياره للنصوص.
كنوز محبة
كانت أغنية «معذرة»، من ألحان أحمد زاهر، واحدة من المحطات المهمة التي وضعت زيدان على الطريق نحو الانتشار، ثم جاءت «كنوز محبة» من ألحان الموسيقار بشير عباس لتحدث نقلة كبيرة في مسيرته.
وتوالت الأعمال الخالدة، بينها «دنيا المحبة» المعروفة بـ«في بعدك يا غالي»، من ألحان الفاتح كسلاوي، كما تغنى بالفصحى في «الوداع ـ داوي ناري» للشاعر المصري إبراهيم ناجي، والتي تعد من أجمل أعماله.
وشكل زيدان خلال النصف الأول من سبعينيات القرن الماضي ثنائية فنية مميزة مع الملحن عمر الشاعر، أثمرت عدداً من الروائع، بينها «ليلة وداع»، و«قصر الشوق»، و«حنين يا ليل»، و«أسير حسنك»، و«أخونك»، و«تصور»، و«بنتأسف على الروح».
شعراء وألحان
تعامل زيدان خلال مسيرته مع نخبة كبيرة من شعراء الأغنية السودانية، بينهم التجاني حاج موسى، ومحمد جعفر عثمان، وعوض أحمد خليفة، وإسحاق الحلنقي، وعبدالوهاب هلاوي، وبشير عبد الماجد، وسيف الدين الدسوقي، وتاج السر عباس، وإسماعيل حسن، ومحمد علي أبو قطاطي، ومحمد يوسف موسى، وغيرهم.
كما تعاون مع عدد من كبار الملحنين، يتقدمهم عمر الشاعر، وعبداللطيف خضر «ود الحاوي»، وأحمد زاهر، والفاتح كسلاوي، وبشير عباس، إلى جانب ألحانه الخاصة التي شكلت جانباً مهماً من تجربته.
ومن الأغنيات التي احتلت مكانة خاصة لديه «غرام الروح ـ صحي اتغيرت إنت خلاص»، التي لحنها بنفسه، وأضاف في مقطعها الأخير كلمة «بحبك» وكررها مرات، في معالجة لحنية تركت أثراً كبيراً في الأغنية.
وفاء الأم
ارتبط زيدان إبراهيم ارتباطاً عميقاً بوالدته الحاجة أم الحسين عبداللهفارس، التي تولت مسؤولية تربيته وتعليمه بعد وفاة والده عام 1956. وعُرف ببره الشديد بها وخدمته لها حتى رحيلها عام 2007.
ومن شدة تعلقه بها أوصى بأن يُدفن إلى جوارها في مقابر الحاج يوسف. وكان قد انتقل من العباسية للإقامة في منطقة الشقلة بالحاج يوسف منذ عام 1988، وظل فيها حتى رحيله.
إرث خالد
امتدت تجربة زيدان إلى عشرات الأغنيات التي تنوعت بين العاطفية والوطنية وأغنيات التراث، كما تغنى بأعمال لفنانين سبقوه، من بينهم عثمان الشفيع وإبراهيم عوض ورمضان حسن وعبدالكريم الكابلي.
واستطاع عبر رحلة طويلة أن يصنع لنفسه لوناً لا يشبه سواه، وأن يترك بصمة واضحة في تاريخ الأغنية السودانية، ليس بصوته فقط، وإنما باختياراته الشعرية وألحانه وقدرته على التعبير عن الشجن والحب والحنين.
وفي يوم السبت 24 سبتمبر 2011، رحل زيدان إبراهيم بعد معاناة مع المرض، لتنطوي صفحة زاهية من صفحات الغناء السوداني، ويبقى إرثه حياً في الذاكرة.
خمسة عشر عاماً مرت على الرحيل، لكن «العندليب الأسمر» لم يغب. ما زالت أغنياته تسافر بين الأجيال، وما زال صوته يطل كلما أطل الشوق، مؤكداً أن الفنان الحقيقي قد يرحل جسداً، لكنه يبقى حياً بما تركه من جمال.
رحم الله زيدان إبراهيم بقدر ما منح الناس من محبة وفرح وشجن، وبقدر ما ترك في مكتبة الغناء السوداني من كنوز لا يطالها النسيان.
المصادر:
مقتطفات من مقال للأستاذ مصعب الصاوي في جريدة «الصحافة»، ومقتطفات من مقال للأستاذ الراحل عماد الدين العاقب في صحيفة «الخرطوم»، ومقتطفات من حوار مع زيدان إبراهيم في صحيفة «الأحداث» عام 2011م، إلى جانب إضافات شخصية.





















