يستعيد في مذكراته ملحمة إنسانية بدأت من التلفزيون
“ ماكينة «سنجر“ افتتحت سيل التبرعات الشعبية
سيدة مجهولة تبرعت بكل ما تملك
شال رئيس الوزراء يدخل مزاد النجدة
ثلاث ساعات تحولت إلى سبعة أيام
مشروع زراعي نقل النازحين إلى الإنتاج
وردي يقود الحملة فنياً خارج السودان
الجاليات تفتح أبوابها أمام حملة الإغاثة
مسرح السالمية يضيق بالحضور في الكويت
البازارات الخيرية رفدت المبادرة بالعملة الحرة
إبراهيم عوض ـ آكشن سبورت
في حلقة جديدة من مذكراته التي يقدمها لـ«آكشن سبورت»، يستعيد الإعلامي علي الريح واحدة من التجارب الإنسانية والإعلامية التي ظلت عالقة في ذاكرته، وهي تجربة «نداء السودان»، التي انطلقت في ثمانينيات القرن الماضي لمواجهة آثار الجفاف والتصحر والمجاعة والنزوح التي ضربت مناطق واسعة من السودان.
ويكشف الريح تفاصيل الفكرة منذ ولادتها وسط مجموعة من شباب الإذاعة والتلفزيون، مروراً باليوم المفتوح الذي كان مقرراً له ثلاث ساعات فقط، فتحول بفعل التجاوب الشعبي إلى حملة امتدت لأيام، وصولاً إلى تحرك القائمين عليها خارج السودان وحشد الجاليات السودانية لدعم المتضررين.
بداية الفكرة
يقول علي الريح إن فكرة «نداء السودان» جاءت بعد الجفاف والتصحر اللذين ضربا البلاد في الثمانينيات، وتسببا في نزوح أعداد كبيرة من المواطنين من غرب السودان ودارفور ومناطق أخرى نحو العاصمة، في ظروف إنسانية بالغة الصعوبة.
ويشير إلى أن مشاهد المجاعة ونفوق الحيوانات وسير المواطنين عشرات ومئات الكيلومترات بحثاً عن النجاة دفعت مجموعة من شباب الإذاعة والتلفزيون إلى التفكير في مبادرة تخدم المتضررين وتلفت أنظار العالم إلى المأساة.
وكان التلفزيون الوسيلة الأساسية لنقل الصور إلى الخارج عبر الأقمار الصناعية، وهو ما أسهم في تعريف العالم بحجم الكارثة، وخلق تعاطفاً واسعاً مع السودان.
يوم مفتوح
تطورت الفكرة بتكوين لجنة لـ«نداء السودان»، وكان مدير التلفزيون وقتها عباس التوم في مقدمة القائمين عليها، فيما تولى علي الريح مهمة السكرتير، وشارك عدد كبير من العاملين في الإذاعة والتلفزيون.
واقترحت اللجنة تنظيم يوم مفتوح عبر التلفزيون في حدائق 6 ابريل يوم جمعة، يبدأ عند التاسعة صباحاً ويستمر لنحو ثلاث ساعات، بهدف فتح باب التبرعات للمواطنين.
ويستعيد الريح حالة القلق التي سبقت البث، إذ تساءل البعض عن مدى استجابة الناس، لكن الرهان كان على أن السودانيين لن يتأخروا عن نجدة بعضهم، خصوصاً بعدما تجاوب العالم الخارجي مع الصور التي بثها التلفزيون.
وبدأ البث، وفتحت المذيعة شادية خليفة المجال للتبرعات، لتأتي المفاجآت سريعاً.
تبرعات مؤثرة
كان أول المتبرعين مواطناً من أم درمان حضر حاملاً ماكينة خياطة «سنجر» جديدة، وقدمها للنداء رافضاً حتى ذكر اسمه.
وبعده حضرت سيدة تحمل كمية من الذهب، وطلبت التبرع به كاملاً بعدما شاهدت صور المتضررين. وعندما جرى تقييم الذهب، تبين أنه من عيار مرتفع، ليشكل تبرعها واحداً من المواقف المؤثرة في الحملة.
ثم توالت التبرعات من المواطنين والمؤسسات، وتحول مقر التلفزيون إلى مقصد للراغبين في المساهمة.
مشاركة المهدي
ومن أبرز المواقف التي يرويها الريح حضور رئيس الوزراء آنذاك الصادق المهدي إلى مقر الحملة وإشادته بالفكرة، قبل أن يقدم تبرعاً، ثم يتبرع بالشال الذي كان يرتديه.
ودخل الشال في مزاد، واشتراه أحد المواطنين بثلاثة آلاف جنيه، وهو مبلغ كبير بمقاييس ذلك الوقت، قبل أن يعيد المشتري الشال نفسه للتبرع به مرة أخرى.
وبعد صلاة الجمعة، بدلاً من انتهاء الحملة كما كان مقرراً، فوجئ المنظمون بصفوف من الرجال والنساء والشباب والأطفال والمؤسسات ، ليقرروا استمرار المبادرة.
سبعة أيام
تحولت الساعات الثلاث إلى حملة امتدت نحو سبعة أيام، ظلت خلالها الحدائق مفتوحاً لاستقبال التبرعات، بينما كانت الأفكار تتطور وحجم المساهمات يتزايد.
ويتذكر الريح طفلاً جاء للتبرع بخمسة وعشرين قرشاً، وظل واقفاً بعد تقديمها. وعندما سأله عن السبب، أوضح أنه يحتاج إلى مبلغ للمواصلات، لكنه رفض أن يقتطع شيئاً من تبرعه، فتم توفير قيمة مواصلاته بصورة منفصلة.
ومع تزايد الأموال، دخل بنك النيلين على الخط ووفر خزنة لاستقبال التبرعات على مدار الساعة.
المليون الأول
ويشير الريح إلى أن التبرعات اقتربت في إحدى المراحل من مليون جنيه، قبل أن يصل تبرع بقيمة ثلاثين ألف جنيه ليكمل الرقم، وهو مبلغ كان ضخماً للغاية في ذلك الوقت.
ويصف لحظة الوصول إلى المليون بأنها كانت لحظة فرح استثنائية، احتفل بها العاملون والمتطوعون، بعدما تحولت المبادرة من مجرد فكرة إعلامية إلى حملة شعبية واسعة.
ولم تتوقف المساهمات عند الأموال، إذ شارك الفنانون والمسرحيون في حفل جماهيري ضخم استمر من الصباح حتى منتصف الليل، وتدافع الجمهور لشراء التذاكر والمساهمة بمبالغ إضافية.
مشروع زراعي
ولم يكن الهدف جمع الأموال فقط، بحسب الريح، بل البحث عن حلول تساعد النازحين على الاستقرار والإنتاج.
وخصص جزء من الأموال لشراء مشروع زراعي غرب أم درمان، استوعب أعداداً من النازحين من الرجال والنساء والمزارعين والرعاة، ووفّر لهم فرصة للعمل والاستقرار بدلاً من الاكتفاء بالمساعدات الآنية.
ويرى الريح أن هذه الخطوة كانت من أهم جوانب التجربة، لأنها انتقلت من الإغاثة إلى محاولة خلق بديل اقتصادي واجتماعي للمتضررين.
خارج الحدود
بعد نجاح الحملة في الداخل، بدأت المرحلة الثانية بالتحرك نحو السودانيين في الخارج، وشملت الزيارات الكويت وقطر والإمارات، والسعودية، حيث أبدت الجاليات تجاوباً كبيراً.
ونظمت حفلات وأسواق خيرية وبازارات، وشارك السودانيون بتبرعات مالية وعينية مختلفة، فيما تكفلت جهات وأفراد باستضافة الوفود وإعاشتها.
وكان الفنان محمد وردي من أبرز المشاركين في هذه المرحلة، إذ رافق الحملة وفرقته الموسيقية، وأحيا حفلات في عدد من المدن، حظيت بحضور جماهيري كثيف.
وفي الإمارات، أقيمت فعاليات في دبي والشارقة وأبوظبي والعين ومدن أخرى، بينما شهد مسرح السالمية في الكويت حضوراً تجاوز سعته المعتادة، في مشهد يعكس حجم تفاعل السودانيين مع المبادرة.
ملحمة وطنية
ويؤكد علي الريح أن «نداء السودان» تجاوز توقعات أصحابه، وتحول إلى تجربة جمعت الإعلاميين والفنانين والمؤسسات والمواطنين والجاليات السودانية حول هدف إنساني واحد.
كما أسهمت التجربة في خلق علاقات قوية بين الإذاعة والتلفزيون والفنانين والمجتمع، وأظهرت قدرة الإعلام على الانتقال من نقل المأساة إلى تحريك الناس وصناعة المبادرات.
وبعد عقود من تلك التجربة، لا تزال تفاصيلها حاضرة في ذاكرة علي الريح؛ من ماكينة «سنجر» التي افتتحت التبرعات، إلى ذهب السيدة المجهولة، وشال رئيس الوزراء، والطفل الذي تبرع بما يملك، وصولاً إلى ملايين الجنيهات وحفلات المغتربين والمشروع الزراعي.
ويختتم الريح ذكرياته بتوجيه التحية لكل الذين شاركوا في إنجاح «نداء السودان»، مؤكداً أن الأسماء كانت كثيرة، وأن ما بقي في الذاكرة ليس سوى جزء من ملحمة صنعها السودانيون داخل البلاد وخارجها عندما كان النداء للوطن.














