د. أحمد قاسم
في بيوتنا القديمة، لم تكن كلمة «أحبك» كثيرة الحضور على الألسنة، لكنها كانت تسكن تفاصيل الحياة كلها؛ تُقال في صمت دافئ، وتترجمها أيدٍ حانية وقلوب لا تعرف التكلف ولا تنتظر الشكر.
كانت المحبة يدًا تمتد في عتمة الليل لتُعدّل غطاءنا ونحن غارقون في النوم، ولقمةً تُترك لنا قبل أن تمتد إليها أيدي الآخرين، وكوب شاي دافئًا ينتظر عودتنا كما تنتظر الأرض المطر. وكانت بابًا يُفتح قبل أن نطرقه، ونظرةً تسبق السؤال، ودعاءً خفيًا يرافق خطانا دون أن نشعر.
لم يكن أهلنا يجيدون الإفصاح عن مشاعرهم بالكلمات، لكنهم كانوا يتقنون لغة الأفعال؛ لغة لا تحتاج إلى ترجمان، ولا ترهقها البلاغة، ولا يبدد معناها الصمت. كانوا يقولون: نحبكم، حين يقتسمون معنا القليل، وحين يسهرون لراحتنا، وحين يخفون تعبهم خلف ابتسامة، ويجعلون من البيت ملاذًا آمنًا مهما اشتدت رياح الحياة.
لقد زرعوا في أرواحنا الأمان دون أن يتحدثوا عنه، وعلّمونا أن المحبة الصادقة ليست حديثًا عابرًا يُقال، ولا وعدًا جميلًا يُنسى، بل حضور لا يغيب، وعطاء لا يمنّ، ووفاء لا ينتظر مقابلًا.
ثم كبرنا… وكبر معنا الفهم.
أدركنا أن أجمل الحب ليس ذلك الذي يملأ الأسماع بالعبارات، بل الذي يتسلل إلى القلب عبر التفاصيل الصغيرة؛ عبر طبق يُحفظ لنا، ومقعد يُترك شاغرًا بانتظارنا، ونافذة تُفتح ليدخل منها الهواء، وقلب يظل مفتوحًا مهما طال الغياب.
وأدركنا كذلك أن أغلى الذكريات ليست دائمًا تلك التي التقطتها الصور أو حفظتها الكلمات، بل تلك التي عاشت فينا دون ضجيج؛ لحظات بسيطة مرت كأنها عابرة، ثم اكتشفنا بعد السنين أنها كانت أجمل ما منحتنا الحياة.
رحم الله من غابوا عن بيوتنا وما غابوا عن قلوبنا، وحفظ الله من بقي منهم، وألبسهم ثوب الصحة والعافية، وأدام على بيوتنا دفء تلك المحبة النبيلة؛ المحبة التي لا تصدأ بالزمن، ولا تطفئها المسافات، ولا تشيخ مهما تعاقبت الأعوام.
فبعض الحب لا يُقال…
لأنه أكبر من الكلام، وأصدق من أن يحتاج إلى اعتراف.













