مهاد الحروف
مهاد عوض
حين نتحدث عن الحرب في السودان، تتجه ذاكرتنا مباشرة إلى أعداد القتلى والجرحى، والبيوت التي دُمّرت، والأموال التي ضاعت، والأسر التي شُرّدت. لكن هل توقفت خسائر الحرب عند هذا الحد؟ أم أن هناك آثارًا أخرى تتشكل بصمت، ولن ندرك أبعادها الحقيقية إلا بعد سنوات؟
الحرب لا تهدم الجدران وحدها، بل قد تمتد آثارها إلى داخل البيوت، وتُعيد تشكيل العلاقات الأسرية والاجتماعية، وتضع أجيالًا كاملة أمام واقع لم تختره.
من القاهرة إلى جدة.. ملامح واقع جديد
خلال تنقلي في شوارع القاهرة والإسكندرية، ثم انتقالي إلى المملكة العربية السعودية، لفت انتباهي مشهد الزيجات المختلطة بين سودانيين وسودانيات وأشخاص من جنسيات مختلفة، عربية وغربية، إلى جانب ما نشاهده عبر منصات التواصل الاجتماعي من ارتباطات تمتد إلى أوروبا وأمريكا وكندا وغيرها.
وهنا، لا أتحدث عن الزواج من جنسية أخرى باعتباره مشكلة، فالزواج اختيار شخصي، والإنسان لا يُقاس بجنسيته، كما أن هذه الزيجات قد تكون جسورًا للمحبة والتعارف بين الشعوب.
لكن السؤال الذي يستحق التأمل هو: كيف ستؤثر الحرب والنزوح والاغتراب في شكل الأسرة السودانية، وفي علاقة الأجيال القادمة بوطنها وهويتها وجذورها؟
لقد عُرف المجتمع السوداني بترابطه الأسري، واعتزازه بالأصول والأنساب، وبشبكات القرابة التي ظلت، رغم خلافاتها، تشكل جزءًا من نسيجه الاجتماعي. واليوم، فرضت الحرب واقعًا جديدًا؛ تفرقت الأسر، وتباعدت المسافات، ونشأ أطفال في بلدان وثقافات مختلفة، وربما لم يعرف بعضهم السودان إلا من خلال حكايات الآباء والأمهات.
ماذا سيحدث بعد عشر سنوات؟
ربما لا نشعر الآن بحجم التحولات التي تعيشها الأسر السودانية، لكن ماذا عن أطفال يولدون اليوم وينشؤون خارج السودان؟ بأي لغة سيتحدثون؟ وما الذي سيعرفونه عن تاريخ أسرهم وقراهم ومدنهم؟ وهل ستظل صلتهم بالوطن قوية رغم المسافات واختلاف الثقافات؟
إنها أسئلة لا تبحث عن إجابات متسرعة، ولا تدعو إلى الخوف من الاختلاف، وإنما تفتح بابًا للنقاش حول مسؤوليتنا في الحفاظ على الذاكرة السودانية، وتعريف أبنائنا بتاريخهم وثقافتهم، وتعزيز انتمائهم إلى وطنهم، أينما كانت أماكن ولادتهم ونشأتهم.
فالأصل لا تحدده جنسية الأب أو الأم وحدها، والانتماء لا يُفرض بالقوة، بل ينمو بالمعرفة والمحبة والصلة المستمرة بالجذور.
الحرب قد تنتهي.. لكن آثارها قد تعيش في الأجيال القادمة.
ولعل أخطر ما يمكن أن نواجهه ليس أن يحمل أبناؤنا جنسيات متعددة، بل أن ينشأ جيل لا يجد من يروي له حكاية وطنه، ولا يعرف ما الذي يربطه بأرض أجداده.
فهل بدأنا التفكير في مخرجات الحرب الاجتماعية، أم أننا لا نزال نحسب خسائرها بما فقدناه من أرواح وأموال وممتلكات؟.













