مهاد الحروف
مهاد عوض
بحكي بكل صراحة.. لأن في حاجات بنشوفها حولنا كل يوم، لكن قليل مننا بيفكر في عمقها الحقيقي. وأحيانًا بنحتاج نقرب الصورة من واقعنا البسيط عشان نفهم قضايا أكبر مننا بكتير.
خلونا نبدأ من البيت.
الأب والأم البخافوا على أولادهم ما بخلّوهم في الشارع من غير رقابة، ولا بيسمحوا لأي زول يتجاوز حدوده معاهم. بربّوهم وبيعلموهم وبيحافظوا على صحتهم وكرامتهم وحقوقهم. والأهم إنهم بيدّوهم إحساس بقيمتهم ومكانتهم.
الطفل البلقى أهله واقفين معاه وعارفين حقوقه، بيكبر وهو مدرك إن عنده سند ما بيسمح لزول يهينه أو يستحقره.
لكن لما الأسرة تهمل أبناءها وتقلل من قيمتهم وما تحميهم وقت الحاجة، بتفتح الباب أمام الآخرين للتجاوز والإساءة، لأنهم في نظرهم بلا سند يحميهم.
وهنا بتبدأ الحكاية الأكبر.. حكاية وطن.
الوطن ما بعيد من البيت، والدولة في مسؤوليتها تجاه مواطنيها زي الأسرة في مسؤوليتها تجاه أبنائها.
الدولة البتحترم أبناءها وبتحافظ على حقوقهم وبتقدر كفاءاتهم وبتوفر ليهم فرصًا عادلة للعمل والحياة الكريمة، بتصنع مواطنًا واثقًا من نفسه ومعتزًا بانتمائه، يحمل قيمة وطنه واسمه وتاريخه أينما ذهب.
لكن السؤال المؤلم: ماذا يحدث لما يكون الإنسان صاحب علم وخبرة وكفاءة، لكنه ما يلقى التقدير المستحق في بلده؟ ولما تضيق فرص العمل ويصبح المستقبل خارج الوطن أوضح من المستقبل داخله؟
ببساطة.. بيبدأ يفتش عن مكان يعترف بقدراته.
وهنا ما بنقدر نلوم كل من اختار الغربة؛ لأن الهجرة أحيانًا ما بتكون رفاهية ولا حبًا في الابتعاد عن الأهل، بل محاولة لإنقاذ الأحلام والبحث عن فرصة تليق بسنوات التعب والاجتهاد.
والمؤلم إن بعض الكفاءات البتغادر أوطانها بحثًا عن التقدير، قد تواجه في الغربة تحديات قاسية، وتضطر لإثبات قيمتها من جديد، وربما تتعرض للاستغلال أو تقبل بظروف ما كانت حتقبل بيها لو وجدت الفرصة العادلة في وطنها.
وهنا بتظهر مسؤولية الدولة الحقيقية، ما بس في الاحتفاء بأبنائها لما ينجحوا بالخارج، وإنما في معرفة الأسباب الخلتهم يغادروا من الأساس.
الوطن البفقد كفاءاته من غير ما يسأل عن أسباب رحيلهم، بخسر خبرات وأفكارًا وسواعد كان ممكن تبني المدارس والمستشفيات والمصانع وتنهض بالاقتصاد.
والأوطان ما بتتبني بالشعارات وحدها، وإنما بالإنسان البلقى الاحترام والعدل والفرصة والأمان.
رسالتي لكل أسرة: حافظوا على أبنائكم، وأدّوهم حقهم من الرعاية والتقدير.
ورسالتي لكل وطن: حافظ على أبنائك قبل ما تضطر تسأل عنهم في بلاد الغربة. قدّر المعلم والطبيب والمهندس والصحفي والعامل، وكل إنسان بيقدم جهدًا صادقًا.
ما تطالبوا أبناءكم بالوفاء والانتماء من غير ما توفروا ليهم أسباب الشعور بأنهم جزء أصيل من الوطن.
فالإنسان البلقى قيمته في أرضه بيتمسك بيها، والبلقى أبوابها مقفولة قدامه ممكن يضطر يفتش عن باب آخر.
وفي النهاية.. البيوت ما بتقوم إلا بأبنائها، والأوطان ما بتنهض إلا بسواعد مواطنيها.
يا وطني.. احفظ أبناءك اليوم، حتى لا تبحث عنهم غدًا في ذاكرة الغربة.













