صوت الحقيقة
أسماء إدريس
أصبح التمييز بين من يحمل رسالة ومن يبحث عن الظهور أكثر أهمية من أي وقت مضى. الإعلام ليس مجرد مهنة تُمارس، ولا لقبًا يُكتب بجانب الاسم، ولا منصةً يصعد إليها من يبحث عن الشهرة، بل هو أمانة ومسؤولية وشهادة أمام التاريخ. والإعلامي الحقيقي هو من يدرك أن قلمه وصوته ليسا ملكًا له وحده، بل هما أمانة لخدمة وطنه ومجتمعه ونقل الحقيقة بكل مهنية وصدق.
الإعلامي صاحب الرسالة لا تُقيده القيود، ولا تُصادر صوته الأهواء، ولا يستطيع أي شخص أن ينصب نفسه وصيًا على مهنته أو يحدد من يستحق أن يكون إعلاميًا ومن لا يستحق. فالإعلام أكبر من الأشخاص، وأسمى من المناصب، وأبقى من المسميات. قد تنظم المؤسسات العمل بقوانين ولوائح، لكن لا يمكن لأي قانون أن يلغي ضمير الإعلامي، أو يمنعه من القيام بدوره تجاه وطنه وشعبه.
إن منع الإعلامي من المشاركة في قضايا وطنه، أو حرمانه من إيصال صوت المواطنين، أو وضع العراقيل أمامه بافتراضات وقوانين يسنها من لا يفهم معنى الإعلام، هو فهم خاطئ لطبيعة هذه الرسالة. فالإعلامي ليس موظفًا لصالح فرد أو جهة، وإنما هو شريك في بناء الوطن، وعين ترى مواطن الخلل، وصوت ينقل هموم الناس، وجسر يصل بين المجتمع والجهات ذات الصلة.
ومن المؤسف أن يظهر أحيانًا من يظن أن الإعلام ملكية خاصة، فيحاول إقصاء الآخرين والتقليل من تجاربهم، وكأن نجاح إعلامي يعني فشل غيره. والحقيقة أن الإعلامي الواثق من قدراته لا يحارب زملاءه، ولا يسعى إلى إطفاء نجاحاتهم، لأن نجاح أي صوت صادق هو إضافة للمهنة والوطن.
لكن ثقافة الحسد والغيرة والإقصاء ما زالت تؤثر على بعض المشاهد، فيُحارب المبدع لا بسبب تقصيره، بل بسبب نجاحه، ويُحاصر صاحب الرسالة لا لضعف حجته، بل لقوة حضوره وتأثيره. ومن لا يستطيع أن يحمل رسالة نفسه، فلن يكون قادرًا على حمل رسالة مجتمع بأكمله.
الإعلام لا يصنعه الظهور المفاجئ، ولا كثرة الحديث عن الذات، ولا توزيع شهادات الاعتراف على الآخرين. الإعلام يصنعه التاريخ، والمواقف، والتجارب، والقدرة على الوقوف مع الحق عندما يكون قول الحقيقة ثمنه كبيرًا.
الإعلامي الحقيقي، يؤمن أن الرسالة أكبر من أي مسمى، وأن قيمة الإعلامي لا تأتي من جهة تمنحه لقبًا أو شخص يزكيه، بل من أثره وما يقدمه لوطنه وأبناء شعبه. ويكفيه رسالته، ويكفيه شرف أن يحمل هم وطنه، وأن يكون صوتًا لمن لا صوت له، وأن يوصل قضايا الناس ومعاناتهم إلى الجهات المختصة، وأن يدافع عن الحقيقة بمهنيتةومسؤوليتة.
فلا يشرف الإعلامي الحقيقي لقب لا يخدم رسالته، ولا يبحث عن جهة تضيف إلى اسمه قيمة، لأن القيمة الحقيقية يصنعها العطاء، وتحفظها المواقف، ويشهد بها الناس.
الإعلامي هو صوت الشعب، وعين الوطن، وشاهد التاريخ. واجبه أن يحمي الحقيقة، وأن يدافع عن قضايا مجتمعه، وأن يكون حاضرًا في كل ما يهم وطنه، بعيدًا عن المصالح الشخصية والحسابات الضيقة.
ختامًا…
ستظل رسالة الإعلام أكبر من كل محاولات التقييد، وأقوى من كل محاولات الإقصاء. فالكلمة الصادقة قد تُحارب، لكنها لا تموت، والحقيقة قد تتأخر، لكنها تصل. والتاريخ لا يذكر من حاولوا إطفاء الآخرين، بل يذكر أصحاب الرسالة الذين حملوا أوطانهم في قلوبهم، وجعلوا من أقلامهم أصواتًا للحق والإنسان.
فالإعلامي الحقيقي لا يحتاج إلى وصاية، لأن رسالته هي هويته، وصدقه هو مكانته، ومواقفه هي التي تمنحه الخلود.













