صوت الحقيقة
أسماء إدريس
ليس كل سفرٍ اختيارًا، وليس كل رحيلٍ بحثًا عن بداية جديدة. فهناك من يسافر طلبًا للعلم أو الرزق أو اكتشاف العالم، وهناك من يدفعه القدر بعيدًا عن وطنه، حاملاً معه وجع الفراق، وذكريات الأماكن، ووجوه الأحبة التي لا تفارق الذاكرة.
السفر في ظاهره انتقال بين الأماكن، لكنه في حقيقته رحلة داخل الإنسان؛ يحمل معه أحلامه ومخاوفه، أفراحه وأحزانه، وما بين لحظة الوداع ولحظة الوصول تُكتب حكايات لا تُنسى.
ويقال إن السفر مدرسة للحياة، لأنه يوسع مدارك الإنسان، ويمنحه خبرات جديدة، ويعلمه الصبر والاعتماد على النفس، ويجعله أكثر قدرة على فهم اختلاف الشعوب والثقافات. لكنه في المقابل يكشف لنا قيمة الأوطان، ويجعلنا ندرك أن الوطن ليس مجرد أرض نعيش عليها، بل هو جزء من أرواحنا وذاكرتنا.
نحن السودانيين لم يكن السفر بالنسبة إلينا مجرد رحلة عادية، بل أصبح عنوانًا لمرحلة مؤلمة فرضتها الحرب. بدأ النزوح داخل السودان من ولاية الخرطوم إلى ولاية نهر النيل، ثم إلى ولاية البحر الأحمر بمدينة بورتسودان، وكنا نظن أن الألم كله يكمن في الابتعاد عن العاصمة، لكننا لم نكن نعلم أن الوجع سيكبر كلما اتسعت المسافات.
وعندما غادرنا بورتسودان إلى المملكة العربية السعودية، أصبح الفراق أكبر من أن تصفه الكلمات. تفرقت الأسر بين البلدان، وغاب الأهل والجيران، وأصبح اللقاء أمنية، والعودة حلمًا نردده في كل دعاء.
كانت الأيام الأولى قاسية، لكن المملكة العربية السعودية، قيادةً وحكومةً وشعبًا، احتضنت السودانيين بمحبة وإنسانية، فوجدنا فيها وطنًا ثانيًا، ولم نشعر يومًا أننا غرباء، بل وجدنا إخوةً تقاسموا معنا الألم قبل الفرح. فكل الشكر لهذا البلد الكريم الذي سيبقى موقفه محفورًا في قلوب السودانيين.
ومع ذلك… ما زالت كلمة “سفر” تحمل في داخلي الكثير من المشاعر.
حتى اليوم، وأنا في رحلة بين مدينة وأخرى داخل المملكة، أشعر أن هذه الكلمة تعيدني إلى لحظة النزوح الأولى. ما زالت الحقائب تذكرني بالوداع، وما زالت المطارات تحمل في ذاكرتي صور الدموع، وما زال القلب يرتجف كلما سمع كلمة “سفر”، لأن بعض الجراح لا تلتئم بسهولة.
ويبقى أجمل ما في السفر أنه يعلمنا قيمة الأشياء التي كنا نظنها عادية؛ جلسة الأسرة، وضحكات الجيران، ورائحة الوطن بعد المطر، وصوت الأذان من الحي الذي نشأنا فيه. فكلما ابتعدنا، أدركنا أن الوطن ليس حدودًا جغرافية، بل هو إحساس يسكن القلب ولا يعوضه أي مكان.
السفر قد يغير أماكننا، لكنه لا يستطيع أن يمحو انتماءنا. فقد نحمل حقائبنا ونغادر، لكننا نترك جزءًا منا في كل شارع، وفي كل بيت، وفي كل ذكرى صنعتها الأيام.
اللهم اجمع شمل كل مغترب، واشفِ قلوب من أنهكتهم الحروب، واحفظ أوطاننا من كل سوء، واكتب لنا عودةً قريبةً إلى السودان، لا يحملها نزوح ولا خوف، بل يحملها السلام والمحبة والاستقرار.
فمهما طال السفر، ومهما قست الغربة، يبقى الوطن هو النبض الذي لا يغيب، والحنين الذي لا يشيخ، والحلم الذي لا يموت.













