عوض أحمد عمر يكتب عن مؤسسة تعليمية تعانق السحاب طموحاً وتميزاً
▪️ تميز يرفع سقف الطموح في التعليم العالي… وإرادة تجعل من التحديات حافزاً لمواصلة العطاء والإنجاز
▪️ البروفيسور مأمون حميدة… من التميز المهني في الطب إلى تأسيس صرح أكاديمي يسهم في تطوير التعليم العالي السوداني
وراء كل صرح جامعي متميز رؤية طموحة، وجهود مخلصة، وإيمان راسخ بأن التعليم هو الركيزة الأساسية لبناء الإنسان وصناعة المستقبل.
وحين نتحدث عن جامعة استطاعت أن تصنع لنفسها حضوراً متميزاً، فإننا نتحدث عن مؤسسة تتجاوز رسالتها حدود التعليم الأكاديمي إلى الإسهام في خدمة المجتمع وتنمية قدراته.
ولا تُقاس قيمة الجامعات بعدد طلابها، أو ضخامة منشآتها، أو الشهادات التي تمنحها، وإنما بمستوى التأهيل الذي توفره، وكفاءة خريجيها، وإسهامها في تطوير المعرفة والممارسة المهنية.
فالجامعة الناجحة هي التي تجعل من الجودة منهجاً، ومن البحث العلمي ركيزة، ومن إعداد الإنسان المؤهل غاية تتقدم على سائر الاعتبارات.
تجربة رائدة
وفي السودان، حيث تتعاظم الحاجة إلى مؤسسات تعليمية تواكب التطورات العلمية والمهنية، تبرز جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا، المعروفة باسم جامعة البروفيسور مأمون حميدة، بوصفها تجربة تعليمية ارتبطت بطموح الارتقاء بالتعليم الجامعي، والجمع بين المعرفة الأكاديمية والتدريب العملي، وتعزيز ثقافة التميز المؤسسي.
وتتمثل أهمية هذه التجربة في إسهامها في رفع سقف الإجادة، وتحويل المنافسة بين مؤسسات التعليم العالي من مجرد التوسع في القبول إلى تطوير المناهج، واستقطاب الكفاءات، وتحسين المخرجات التعليمية.
فالتنافس الحقيقي لا تصنعه الأعداد، وإنما تصنعه جودة التأهيل وقدرة الخريجين على إثبات كفاءتهم في ميادين العمل.
طموح مأمون
وفي قلب هذه المسيرة، يبرز البروفيسور مأمون حميدة، أحد الأسماء البارزة في المجال الطبي على المستويين الداخلي والخارجي، الذي لم تتوقف طموحاته عند حدود الممارسة المهنية، وإنما امتدت إلى تأسيس مؤسسة أكاديمية تعنى بإعداد أجيال من الكفاءات الطبية والصحية.
وهنا تتجلى القيمة الأعمق للمبادرة، إذ يتحول أثر الخبرة الفردية إلى عطاء مؤسسي متجدد، وتصبح المعرفة التي يمتلكها الطبيب المتميز أساساً لبناء منظومة تعليمية يتواصل عطاؤها عبر الأجيال.
التأهيل الطبي
وليس تأسيس جامعة تعنى بالعلوم الطبية مهمة يسيرة، فالتعليم الطبي يرتبط مباشرة بصحة الإنسان وسلامته، ويتطلب أساتذة مؤهلين، ومعامل وتجهيزات متقدمة، وتدريباً سريرياً منتظماً، ومناهج تواكب التطور المتسارع في التشخيص والعلاج.
كما أن إعداد الكوادر الطبية لا يقتصر على تحصيل المعلومات، وإنما يشمل تنمية التفكير العلمي، والقدرة على التحليل واتخاذ القرار، والالتزام بأخلاقيات المهنة واحترام حقوق المرضى.
ومن هنا تكتسب الجهود المرتبطة بتأسيس الجامعة وتطويرها أهميتها، باعتبارها استثماراً طويل الأمد في الإنسان وتنمية المجتمع، يستلزم المحافظة على معايير الجودة، واستقطاب الكفاءات، وتوفير البيئة الأكاديمية المناسبة.
كفاءة الخريجين
ويبقى الخريج المعيار الحقيقي لنجاح الجامعة، فكفاءته المهنية، وقدرته على توظيف المعرفة، والتزامه بالمسؤولية الأخلاقية، تمثل المؤشرات الأكثر دلالة على جودة التأهيل.
ولذلك فإن حضور خريجي جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا في مجالات العمل داخل السودان وخارجه يشكل جانباً مهماً عند تقييم رسالتها التعليمية وأثرها المهني.
الرسوم الدراسية
وعند تناول تجربة الجامعة، تبرز قضية الرسوم الدراسية، التي كثيراً ما تُثار عند مناقشة التعليم العالي الخاص.
غير أن التقييم المنصف يقتضي النظر إلى طبيعة التعليم الطبي وتكاليفه، بما يشمل استقطاب الأساتذة، وتوفير المعامل والأجهزة، والتدريب العملي، وتحديث المناهج ووسائل التعليم.
ولا يعني ذلك أن ارتفاع الرسوم دليل بذاته على الجودة، فالجودة تُقاس بمستوى البرامج، وكفاءة التدريس، ونتائج التعلم.
كما تظل مراعاة الظروف الاقتصادية للأسر، وتوسيع فرص المنح والمساعدات للطلاب المؤهلين، مسؤولية مهمة لتحقيق التوازن بين متطلبات التميز وإتاحة فرص التعليم.
تكامل الأدوار
وفي الإطار الوطني، لا تمثل الجامعات الخاصة بديلاً عن الجامعات الحكومية أو انتقاصاً من دورها التاريخي، وإنما تشكل إضافة ينبغي أن تتكامل معها في بناء منظومة تعليم عالٍ تتسع للتنوع، وتعزز المنافسة الإيجابية، وتستجيب لاحتياجات التنمية.
تحديات الحرب
غير أن الامتحان الأصعب للمؤسسات لا يأتي دائماً داخل قاعات الدراسة، وإنما تفرضه الأزمات الكبرى، حين تصبح القدرة على الاستمرار إنجازاً في حد ذاتها.
وقد وضعت الحرب التي اندلعت في السودان في أبريل 2023 الجامعات أمام تحديات غير مسبوقة، تمثلت في تعطل الدراسة، وتفرق الطلاب والأساتذة، واضطراب الحياة العامة، وصعوبة المحافظة على انتظام العملية التعليمية.
استمرارية الدراسة
وفي مواجهة هذه الظروف، برزت جهود البروفيسور مأمون حميدة وإدارة جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا في إيجاد ترتيبات تتيح استمرار الدراسة في أكثر من دولة خارج السودان، حمايةً للمسار الأكاديمي للطلاب، والحد من تداعيات الانقطاع على مستقبلهم.
ولم تكن هذه الخطوة تحولاً عن رسالة الجامعة الوطنية أو تخلياً عن ارتباطها بالسودان، وإنما استجابة فرضتها الضرورة، وإدراكاً بأن الزمن الأكاديمي يمثل جزءاً ثميناً من حياة الطالب وأسرته، وأن تأخير التخرج يمتد أثره إلى المستقبل المهني والالتزامات الاقتصادية والاجتماعية.
وتزداد أهمية هذه الجهود في التعليم الطبي، الذي يتطلب تكاملاً بين المحاضرات والتدريب العملي والسريري والتقويم الأكاديمي، الأمر الذي يجعل توفير البدائل المناسبة مسؤولية علمية وإدارية معقدة.
قيادة الأزمات
وقد كشفت هذه المرحلة أهمية القيادة المؤسسية الملهمة، القادرة على إدارة الأزمات، وتحديد الأولويات، واتخاذ القرارات الصعبة، وتنسيق الجهود للمحافظة على المصالح الأساسية للطلاب.
كما أن تجربة الدراسة خارج السودان، رغم ظروفها الاستثنائية، يمكن أن تفتح آفاقاً للاستفادة من بيئات أكاديمية متنوعة، وتوسيع التواصل العلمي، وتوظيف الخبرات المكتسبة في تطوير الأداء مستقبلاً.
آفاق التعافي
وتتضاعف أهمية استمرار المؤسسات التعليمية في أداء رسالتها مع حاجة السودان إلى التعافي وإعادة الإعمار، ولا سيما في القطاع الصحي، الذي يحتاج إلى أطباء وصيادلة ومختصين مؤهلين لإعادة تأهيل المستشفيات وتحسين الخدمات الطبية.
وهنا تتجاوز رسالة جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا حدود المؤسسة الخاصة، لتصبح جزءاً من الجهد الوطني الرامي إلى بناء القدرات البشرية التي يحتاجها السودان في حاضره ومستقبله.
التطوير المؤسسي
ولا تعني الإشادة المستحقة بهذه التجربة أن مسيرتها خلت من التحديات، أو أنها ليست بحاجة إلى التطوير والمراجعة.
فالمؤسسات الأكاديمية الحية تتقدم بالتقويم الموضوعي، والالتزام بمعايير الجودة والاعتماد، والاستفادة المستمرة من المستجدات العلمية.
لكن الإنصاف يقتضي تقدير المبادرات الجادة والمسؤولة، والاعتراف بالجهود التي تُبذل للمحافظة على التعليم في أصعب الظروف، والنظر إلى الإنجاز في سياقه العلمي والوطني والإنساني.
عطاء الأجيال
ولعل أعظم ما تجسده مسيرة البروفيسور مأمون حميدة أن أثر الطبيب المتميز يظهر في الرعاية التي يقدمها لمرضاه، بينما يتسع أثر من يؤسس مؤسسة لتعليم الطب ليشمل أجيالاً متعاقبة من الأطباء والباحثين والمتخصصين.
وهذه هي القيمة الأسمى للتعليم، حين يتحول من نجاح فردي إلى عطاء مؤسسي، ومن طموح شخصي إلى رسالة وطنية، ومن استثمار في المعرفة إلى استثمار في الإنسان.
رسالة وطنية
وتبقى جامعة العلوم الطبية والتكنولوجيا نموذجاً لطموح تعليمي يسعى إلى معانقة السحاب، لا بارتفاع المباني، وإنما بعلو الهمة، وجودة التأهيل، واستمرار العطاء، والإيمان بأن بناء الإنسان هو الطريق الأوثق لبناء الوطن.















