*” ظلال المعنى”
د. احمد قاسم *
لم يشكُ السودان يومًا من كثرة الأصوات، بل من قلّة الإصغاء إليها. فالاختلاف نهرٌ يسقي حقول الفكر إن أُحسن مجراه، وسيلٌ جارف يهدم البيوت إن أُطلق عنانه. وحين يحلّ التعصبُ محلّ الحوار، والتشهيرُ محلّ الحجة، تسقط الحقيقة أولًا، ويدفع الوطن الثمن أخيرًا.
أيّ زمنٍ هذا الذي صار فيه كثيرون يسألون: من القائل؟ قبل أن يسألوا: ماذا قال؟ فإن عجزوا عن مقارعة الفكرة طاردوا صاحبها، وإن أعياهم صاحبها نبشوا في خصوصياته، وإن خابت سهامهم نسجوا من الوهم حقيقة، حتى “وصفوه بعرج عنز الجار”! وما ذاك إلا إفلاسُ من أُسقط في يده، فتشبّث بأوهى الخيوط وهو يحسبها حبلًا متينًا.
ومن غريب ما نرى أن يصير الطموحُ مأخذًا، والاجتهادُ شُبهةً؛ فمن جدّ وثابر حتى نال الدكتوراه في مجاله، وأخلص في عمله حتى صار أستاذًا في الجامعة، همس بعضهم: أصابه الغرور؟ ثم تجاوزوا الهمس إلى التشكيك في علمه وعمله. والحقّ أن العالِم كالسنبلة، كلما امتلأت انحنت، وأن التواضع ثمرةُ العلم لا نقيضه. فلنُنصف أهل الاجتهاد، ولنقِس الناس بما قدّموا لا بما ظنَّه الظانّون، فالنجاح لا يحتاج إلى تزكية الحاسدين، والعطاء الصادق يشهد لنفسه مع الأيام.
وانظروا إلى الإمام علي، كرّم الله وجهه، حين ظفر بخصمه في ساحة القتال فبصق الرجل في وجهه، فأغمد سيفه خشية أن ينقلب جهاده من نصرةٍ للمبدأ إلى ثأرٍ للنفس. تلك هي الفروسية الحقّة؛ فارسٌ يغلب هواه قبل أن يغلب خصمه، وسيفٌ يحرسه الضمير قبل أن تحرسه القبضة.
وسوداننا اليوم، وهو يخوض حرب الكرامة، أحوجُ ما يكون إلى هذه الفروسية! فنحن، أبناءَ هذه الأرض الطيبة، نقف صفًّا واحدًا كالبنيان المرصوص خلف قواتنا المسلحة، درعِ الوطن وسياجِ عزّته، نهتف لها بالنصر ونشدّ على يدها بالوفاء والعهد. لكنّ الأوطان لا تُصان بالسلاح وحده، بل بقلوبٍ متآلفة كنخيلٍ تعانقت جذوره على ضفاف النيل، وكلمةٍ جامعة، ونقدٍ نزيهٍ يبني ولا يهدم. فالوطن ليس ترابًا نحرسه، بل إنسانٌ نحبّه؛ له كرامته وأمنه وحريته، وحقُّه في مجتمعٍ يُكرم الرأي ويصون الكلمة ويفتح ذراعيه لأبنائه جميعًا.
ومن هنا كانت مسؤولية النخب السياسية والثقافية والإعلامية جسيمة؛ أن تُحيي قيم الإنصاف، وتُشيد بالحق ولو نطق به مخالف، وتنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس، وتُناقش ما يفرّقنا بأدبٍ واحترام. وفي كتاب أدب الاختلاف في الإسلام خيرُ زادٍ لمن أراد أن يتعلّم كيف تُدار الخلافات بعدلٍ وأخلاق.
فإذا استعدنا أخلاق الفرسان وأدب الخلاف، انتصر السودان لنفسه، قبل أن ينتصر أيُّ طرفٍ على طرف. وعاش السودان شامخًا، موحّدًا، عزيزًا بأهله وجيشه!













