ثلاثة عقود من الغياب وأغنياته تسكن الوجدان
بعثة الصين محطة فارقة في مسيرة الجابري
العود رفيق الجابري وعنوان إحساسه
هوج الرياح.. رحلة إبداع ومعاناة صنعت الخلود
مسيرة استثنائية من رفض الإذاعة إلى قمة المجد
صاحب «شاطئ الغرام» ترك إرثاً يتحدى الزمن
حكاية موهبة انتصرت على الإحباط وقسوة الحياة
رحل الفنان وبقيت روائعه شاهدة على عصره
عماد أحمد ـ آكشن سبورت
في الرابع والعشرين من أكتوبر عام 1996، رحل عن الدنيا الفنان الكبير أحمد الجابري، تاركاً إرثاً غنائياً لا يزال حاضراً في وجدان السودانيين. واليوم، مع حلول الذكرى الثلاثين لرحيله، تتجدد سيرة أحد أكثر الأصوات السودانية تفرداً، وصاحب تجربة امتزجت فيها الموهبة بالمعاناة، والإبداع بالإصرار، والنجاح بالألم الإنساني العميق.
لم يكن الجابري مجرد مطرب يمتلك صوتاً شجياً، بل كان ملحناً ومبدعاً استطاع أن يمنح الكلمة إحساساً خاصاً، ويحول أغنياته إلى حكايات وجدانية تتناقلها الأجيال.
النشأة والبدايات
وُلد أحمد محمد عبدالله كرمنو، المعروف فنياً بأحمد الجابري، عام 1934 بقرية الشرفة بولاية الجزيرة، وتلقى تعليمه الأولي في الخلوة والمدرسة بمسقط رأسه، قبل انتقاله إلى أم درمان برفقة والدته عقب انفصالها عن والده.
ومنذ طفولته، أحب الفنون، وكانت السينما بوابته الأولى إلى الغناء، حيث تأثر بأفلام ليلى مراد وأسمهان ومحمد فوزي وفريد الأطرش وأم كلثوم.
أما أول صوت سوداني استمع إليه فكان الفنان رمضان حسن عبر أغنيته «الزهور صاحية».
ومارس الجابري الرسم قبل احتراف الغناء، وكان يرسم على الطريق أمام منزل أسرته بشارع الشنقيطي بأم درمان، رغبة في إظهار موهبته.
حي العرب
شكّل حي العرب العريق بأم درمان محطة أساسية في تكوين شخصيته الفنية، وهو الحي الذي ارتبط بأسماء لامعة، بينها إبراهيم عوض وعبدالرحمن الريح والطاهر إبراهيم وأحمد حسن جمعة.
وفي بداياته، ردد أغنيات عثمان الشفيع وحسن عطية وأحمد المصطفى، وتعلم العزف على العود بنفسه خلال شهر تقريباً، بينما اشترى له شقيقه عبدالرحمن أول عود امتلكه، إيماناً بموهبته.
رفض الإذاعة
لم يكن طريق الجابري إلى الشهرة سهلاً، فقد قصد الإذاعة السودانية عام 1956، وعرض صوته أمام لجنة ضمت مدير الإذاعة خانجي ونائبه محمد صالح فهمي، لكنها رفضته.
وعاد لاحقاً والتقى الأستاذ متولي عيد، الذي نصحه بالعودة بعد أسبوع بعدما لاحظ اضطرابه أثناء الاختبار.
وفي عام 1957، تقدم إلى لجنة ضمت خاطر أبوبكر وأبوعاقلة يوسف وحسن سليمان وعلاء الدين حمزة، فأجازت صوته بأغنية «شاطئ الغرام».
وشارك بعدها في برنامج «الأصوات الجديدة»، الذي كان يمنح كل موهبة خمس دقائق، واختير مع شرحبيل أحمد ومحمد حسنين للانتقال إلى البرنامج العام.
لكن فرحته لم تكتمل، إذ صدر قرار بإيقاف انضمام الأصوات الجديدة بدعوى الأعباء المالية، ليجد نفسه خارج الإذاعة مجدداً عام 1959، في تجربة أصابته بإحباط شديد.
عودة الأمل
وسط تلك الظروف، سافر الجابري مع أصدقائه إلى قرية البساطة، حيث التقى الشاعر إسماعيل حسن، وأحيا حفلات حظيت بتفاعل جماهيري كبير.
وكان أجر إحدى حفلاته ستة جنيهات ونصف الجنيه، وهو مبلغ اعتبره كبيراً آنذاك.
وأعجب إسماعيل حسن بموهبته، وقدم له نصائح أعادت إليه الثقة بنفسه.
وعندما عاد إلى أم درمان، فوجئ بوالدته تخبره بأن الإذاعة اتصلت به، ليعود إليها ويُعتمد ضمن مطربي البرنامج العام.
وكان الإعلامي علي شمو من المعجبين بصوته، فأشركه في سهرة إذاعية قدم خلالها «شاطئ الغرام» و«ليه كده الظلم ده»، لتبدأ مرحلة جديدة في مسيرته.
انطلاقة واسعة
في عام 1961، شارك الجابري في أول بعثة فنية رسمية خارج السودان إلى الصين، وهي محطة مهمة في مشواره.
وفي العام التالي، قدم مجموعة من الأغنيات التي عززت مكانته، بينها «رسائل» و«درب المحبة» و«مظلوم في حبي».
وكانت ستينيات القرن الماضي فترة ازدهار استثنائية للأغنية السودانية، وسط منافسة قوية بين كبار المطربين والملحنين والشعراء.
واستطاع الجابري أن يحجز لنفسه مكانة متميزة، معتمداً على خامة صوتية نادرة وقدرة لافتة على التعبير عن المعاني العاطفية.
سحر العود
ارتبط الجابري بعلاقة خاصة مع آلة العود، وكان يفضل الغناء بمصاحبتها على الأداء مع الأوركسترا، لما تمنحه له من مساحة للتعبير عن مشاعره.
وكان محبوه يرددون أن الاستماع الحقيقي إلى الجابري يكون عندما يغني بالعود.
واحتفظ بتقدير كبير للفنان عثمان حسين، وخصوصاً أغنيته «كيف لا أعشق جمالك»، كما أحب الاستماع إلى حسن عطية وإبراهيم الكاشف وعبدالعزيز محمد داؤود وعثمان الشفيع ورمضان حسن، وتعلم من تجاربهم الصبر واحترام الفن.
وجع الفقد
شكّلت وفاة والدته عام 1973 نقطة تحول قاسية في حياته، فقد كانت تمثل له مصدر الحب والأمان والسند النفسي.
وتضاعفت معاناته بفقدان شقيق عزيز خلال الفترة نفسها، فدخل في عزلة طويلة وابتعد عن الغناء.
وامتدت محنته حتى عام 1976 تقريباً، وسط شائعات تناولت حالته النفسية، قبل أن يبدأ استعادة توازنه بمساندة أصدقاء مخلصين.
ومن رحم تلك المعاناة خرجت أغنية «حكايتي مع الملام»، التي حملت جانباً من تجربته الإنسانية، وتحولت إلى واحدة من أبرز أعماله.
أغنيات خالدة
قدم الجابري رصيداً غنائياً ثرياً، تعاون خلاله مع نخبة من كبار شعراء الأغنية السودانية.
ومن أبرز أعماله «الزهور بسمت لينا»، و«ملك الطيور»، و«حكمة»، و«شاطئ الغرام»، و«مظلوم في حبي»، و«هوج الرياح»، و«سامحني»، و«بعد عام»، و«الجريف واللوبيا»، و«درب المحبة»، و«سيد الاسم»، و«البلوم»، و«عصافير المحنة».
وتعاون مع عبدالرحمن الريح، والصادق إلياس، وسيف الدين الدسوقي، ومصطفى عبدالرحيم، وأبو آمنة حامد، ومحمد علي أبوقطاطي، وإسحاق الحلنقي، ومبارك المغربي، والزين عباس عمارة، وعوض جبريل، والسر أحمد قدور.
وقد تحولت بعض كلمات أغنياته إلى عبارات مألوفة يتداولها الناس في حياتهم اليومية.
هوج الرياح
احتلت أغنية «هوج الرياح»، المعروفة أيضاً باسم «هات يا زمن»، مكانة خاصة لدى الجابري، لما حملته من شجن وألم توافقا مع أحاسيسه خلال عام 1973.
وكتب كلماتها الشاعر مصطفى عبدالرحيم، بينما وضع الجابري لحنها، وقد ارتبط بها منذ اللحظة الأولى التي عُرض فيها النص عليه.
وروى أن الأغنية عُرضت على لجنة الاستماع بالإذاعة، برئاسة الموسيقار برعي محمد دفع الله، وأن أعضاء اللجنة أبدوا إعجاباً استثنائياً بالعمل، حتى إنهم اعتبروه أكبر من أن يُحكم عليه بالمعايير المعتادة.
شهادة موسيقية
وصف الموسيقار الماحي سليمان الجابري بأنه أحد المبدعين الذين عاشوا حياتهم للفن، مشيراً إلى أن كل أغنية من أغنياته تمتلك شخصية فنية مختلفة.
وأكد أن صوته كان من الأصوات النادرة، بفضل مساحته الواسعة ومرونته، وقدرته على التنقل بين الطبقات الصوتية.
كما أشار إلى اهتمامه بالتفاصيل اللحنية وتنويع الإيقاعات، مع المحافظة على الطابع الخماسي الذي يميز الموسيقى السودانية، معتبراً تجربته نموذجاً للأصالة والابتكار والتجديد.
ذكرى خالدة
في الرابع والعشرين من أكتوبر 1996، رحل أحمد الجابري عن عمر ناهز الثانية والستين، بعد رحلة حافلة بالإبداع والتحديات والانتصارات والانكسارات الإنسانية.
وبعد ثلاثين عاماً، لا يزال صوته حاضراً، وأغنياته تتردد بين الأجيال، مؤكدة أن قيمة الفنان لا تُقاس بعدد السنوات التي عاشها، وإنما بما تركه من أثر في وجدان الناس.
لقد غاب الجابري جسداً، لكنه بقي صوتاً للحب والشجن والوفاء، وأحد الرموز التي أسهمت في تشكيل الوجدان الغنائي السوداني.
رحم الله أحمد الجابري، بقدر ما منح محبيه من جمال، وما ترك في قلوبهم من أغنيات لا تشيخ.
.
المصادر: مقتطفات من حوار صحفي مع الفنان أحمد الجابري بمجلة الإذاعة والتلفزيون والمسرح في منتصف السبعينيات، ومادة توثيقية من برنامج «زمن ومبدع»، إلى جانب إضافات شخصية.





















