الطاهر يونس
بعد أعوامٍ عجاف مثقلة بغبار الغياب ووحشة المنافي حلّقت بنا “بدر” فوق سماء الخرطوم قادمة من قاهرة المعز في رحلة هادئة أشبه بعبورٍ بين ذاكرة كادت أن تنطفئ وخاطر يقاوم النسيان.
من علٍ بدت الخرطوم كحسناء أتعبها الزمن غير أنّها ما تزال تحتفظ في ملامحها ببقية من سحرٍ قديم فعين الرضا وحدها قادرةٌ على التقاط ما تبقّى من فتنتها.
وكان للدهشة أن تكتمل وتتربّع في قلب المكان إذ تزامنت الرحلة مع عودة الهلال محمولًا على كأس بطولة الدوري الرواندي بعد غيابٍ قسري طويل حسبه العشاق والمحبين دهرًا ،أكثر من ثلاث سنوات شرب فيها الناس مرارة البعد ووجع الحنين.
عاد…
وعادت معه الأصوات التي تحفظها ذاكرة الانتصارات:
«أهلاً بيهو الهلال هلّ»
في تلك اللحظات امتزجت الذكريات بسحر العودة واختلط الوطن بالهلال ليستعيد شيئاً من روحه الضائعة.
عاد الهلال فاستفاقت الشوارع من صمتها وتهللت الوجوه وارتدت الأحياء ثياب الفرح. حتى البيوت بدا كأنها ترقص طربًا بعد أن أثقلتها الاحزان وغدر العابرين.
في لحظة شعرت صدي صوت وردي يشنف آذان المكان :
(عاد الحبيب
وعادت روحي
وعاد شبابي)
عاد الهلال ليغسل عن القلوب غبار الوحشة ويمنح الناس فسحةً من الجمال النقي ليزيل من الأرواح بقايا الألم الصامت الذي تراكم في سنوات التيه.
رجع الهلال…رجع البلد.. بعد السنين المُرّة يادوب العيون سهرن هجد.
رجع الهلال زي رجوع القمرة لي وطن القماري.
يا لروعة الأقدار حين تُهديك عودةً بهذا الألق… عودة المكان وعودة الأحبة في آنٍ واحد فتشعر أنّ شيئًا عميقًا بداخلك ظلّ حيًا، شيئًا برغم ركام البؤس في سنوات التيه ظل ينبض بالحياة.
إنه الهلال حبيب البلد.. ولا عجب.









