وجوه وحكايات
م. محمد الجيلي الشيخ
هناك لحظات في الحياة لا تُنسى، لا لأنها كانت عظيمة، بل لأنها كانت صادقة.
تلك اللحظات التي تُشبه النسيم حين يمرّ على وجهك في صباحٍ ريفيّ هادئ، فتشعر أن الله يربّت على قلبك دون أن يقول شيئًا.
ما أجمل حياة القرى والريف… تلك الحياة التي كانت في منتهى البساطة والطيبة، حياة لا تُرهق الروح بضجيج المدن، ولا تُثقل القلب بزحام الشوارع.
ترعرعت في قرية وادي شعير، إحدى قرى مدينة طابت، المدينة التي تحتضن أسرتي الكبيرة، وتحتضن معها طفولتي الأولى، تلك الطفولة التي صاغتني كما يصوغ النهر حجارة مجراه: ببطء… بلطف… وبقوة لا تُرى.
كانت الحياة هناك تسير على إيقاعٍ ثابتٍ كأنها أنشودة قديمة، لا تتبدّل كلماتها، لكنها تزداد جمالًا كلما تكرّرت.
الصباح يبدأ مع شروق الشمس، حين يفتح الضوء أبواب البيوت الطينية، ويوقظ الطيور على أسلاك الكهرباء، ويعلن أن يومًا جديدًا قد وُلد.
الأم — تلك الملكة الصامتة — تستيقظ قبل الجميع، تمسك بيديها الخشنتين دلو الحليب، تحلب الغنم، وتجهّز شاي الصباح، بينما رائحة اللبن الساخن تمتزج برائحة التراب المبتلّ بندى الفجر.
ثم يتجمع أفراد الأسرة حول صينية الشاي، ضحكات، مسامرات، دفء، وطمأنينة لا تُشبه أي شيء في هذا العالم.
كان ذلك الشاي الصباحي أول صلاةٍ للحبّ في بيتنا.
بعدها يذهب الوالد إلى الجزارة، ذلك السوق الصغير الذي لا يحتوي إلا على اللحم والخضار، بينما يذهب الأبناء إلى المدرسة، وفي الإجازة يخرجون للعب في الفسحات الكبيرة، يركضون كأن الأرض أمّهم، وكأن الهواء صديقهم القديم.
كانت ضحكاتهم تمتزج بصوت الريح، فيتحوّل اللعب إلى موسيقى طفولية لا تُنسى.
ثم تعود الأسرة لتجتمع مرة أخرى في الفطور، شاي الفطور، والقهوة… طقوس متتابعة كأنها صلاة يومية لا تتغير، كأنها تقول لنا:
هنا البيت… هنا الأمان… هنا الجذور التي لا تُقتلع.
بعدها يأتي وقت القيلولة… ذلك النوم الخفيف الذي يسبق برنامج عالم الرياضة عند الثانية والنصف ظهرًا، بموسيقاه الشهيرة التي كانت تُشعل البيت حركةً وانتظارًا.
وعند الغداء، يجتمع الجميع مهما كانوا بعيدين… الغداء في الريف ليس وجبة، بل نداء عائلي مقدّس، لا يُعصى ولا يُؤجّل.
كانت المائدة تجمعنا كما تجمع الأرض المطر، لا أحد يتأخر، ولا أحد يأكل وحده.
وعند الرابعة، يخرج الرجال للجلوس حول الدكاكين والفسحات، بينما تذهب النساء لأداء الواجبات الاجتماعية، ويذهب الأبناء للعب الكورة، وتبقى البنات غالبًا داخل المنزل، ينسجن الحكايات بين خيوط الغروب.
وبعد صلاة المغرب تبدأ لمة شاي المغرب… غالبًا شاي لبن مقنّن، يتسامرون، يتبادلون القصص، ويُطفئون تعب النهار.
ثم تأتي صلاة العشاء، ووجبة خفيفة، وينام الجميع إيذانًا بانتهاء يوم يشبه الأمس، وسيشبه الغد… لكنه كان جميلًا بطريقة لا تتكرر.
كانت تلك الأيام تُربّينا دون أن نشعر…
تُعلّمنا أن السعادة ليست في كثرة الأشياء، بل في نقاء اللحظة.
تُعلّمنا أن البيت ليس جدرانًا، بل أصوات من نحب.
تُعلّمنا أن البساطة ليست فقرًا… بل ثراءً لا يعرفه إلا من عاشه.
وحين أثقلتني التجارب، وحاصرني صخب الحياة، كنت أعود إلى تلك الذكريات كمن يعود إلى الماء بعد عطش طويل.
كنت أعود إليها لأتذكّر أنني وُلدت من أرضٍ تعرف معنى الطيبة، ومن بيتٍ يعرف معنى الاجتماع، ومن حياةٍ تعرف معنى الرضا.
كنت أعود إليها لأتذكّر أنني ابنُ الصباحات الهادئة، وابنُ الشاي بالحليب، وابنُ الضحكات التي كانت تُغسل بالندى قبل أن تُقال.
الريف لم يكن مكانًا فقط… كان مدرسةً للروح.
علّمني أن الكرامة لا تحتاج إلى مال، وأن الطيبة لا تحتاج إلى تبرير، وأن الصمت أحيانًا أبلغ من ألف خطبة.
علّمني أن الإنسان يمكن أن يكون غنيًا وهو لا يملك شيئًا، إذا كان قلبه ممتلئًا بالرضا.
وهكذا، حين أعود بذاكرتي إلى تلك الأيام، لا أراها ماضيًا انتهى، بل جذورًا ما زالت تسقي روحي كلما جفّت.
كلما ضاقت الدنيا، أغمض عينيّ، وأسمع صوت أمي وهي تصبّ الشاي، وصوت أبي وهو ينادي من بعيد، وصوت الأطفال وهم يركضون في الغبار… فأبتسم.
لأنني أدرك أنني مهما ابتعدت، ما زلت هناك… في وادي شعير، في طابت، في قلب الريف، في حضن البساطة التي صنعتني.













