الكلمة الزرقاء
عبدالباقي البرير أحمد «أبو إبراهيم»
في كل مرة يقترب فيها ديربي السودان بين الزعيم الهلال، سيد البلد، والمريخ الوصيف، تبدأ المعركة خارج المستطيل الأخضر قبل صافرة البداية، معركة إعلامية لا تقل سخونة عن المباراة نفسها. لكن ما حدث قبل قمة كيغالي الأخيرة تجاوز حدود التمهيد الطبيعي، وتحول إلى محاولة لصناعة مبررات مسبقة تحت لافتة «الرديف» و«الصف الثاني»، وكأن المطلوب من الجماهير أن تقتنع بأن المريخ دخل المباراة بفريق مدارس، بينما الهلال حضر بكتيبته الكاملة.
الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها أن ذات المجموعة التي لعبت للمريخ في كيغالي هي نفسها التي خاضت مباريات مجموعات النخبة، وهي نفس القائمة المسجلة قارياً ضمن كشف الفريق الأول، وليست فريق شباب ولا فريق تحت 20 عاماً. الحديث عن «رديف خفيف» كان مجرد عملية تجميل إعلامية تهدف إلى صناعة عذر جاهز في حال جاءت النتيجة قاسية، وفي الوقت نفسه محاولة لتقليل أي إنجاز قد يحققه الهلال إذا انتصر.
وهنا تظهر الجدلية الحقيقية: كيف يصبح فريق المريخ «رديفاً»، بينما الهلال الذي يعيش نفس الظروف ويعتمد على عناصر محلية وشبابية لا يوصف بذلك؟ أليست المعايير يجب أن تكون واحدة على الناديين؟
قبل المباراة، خرج بعض إعلاميي المريخ بصورة متكررة يؤكدون أن الفريق لا يلعب بالصف الثاني بل بالرديف، وكأن هناك فارقاً فلسفياً عظيماً بين المصطلحين. لكن في النهاية، من دخل الملعب هم لاعبون كبار، مسجلون رسمياً، يتقاضون رواتب، ويلعبون باسم المريخ الأول. لا يوجد في لوائح كرة القدم بند اسمه «هزيمة الرديف لا تُحسب»، ولا توجد بطولة تمنح نقاطاً مخففة لأن فريقاً قرر أن يسمي لاعبيه بأسماء مختلفة.
القمة التي احتضنتها العاصمة الرواندية كيغالي انتهت بالتعادل الإيجابي بهدف لكل فريق، حيث تقدم المريخ عبر ركلة جزاء، بينما أدرك الهلال التعادل بواسطة نجمه ياسر مزمل، رغم أن الهلال أكمل المباراة بعشرة لاعبين.
وهنا تظهر قيمة الهلال الحقيقية. فريق يلعب منقوصاً عددياً، ويتعرض لضغط بعد الطرد، ثم يعود في المباراة ويحافظ على توازنه حتى النهاية. هذه ليست مجرد نقطة في جدول، بل رسالة واضحة بأن الهلال يملك شخصية فريق كبير، يعرف كيف يتعامل مع الظروف الصعبة دون صراخ إعلامي أو تجهيز أعذار مسبقة.
المثير أن بعض الأقلام الحمراء حاولت بعد المباراة تحويل التعادل إلى «إنجاز للرديف»، بينما لو خسر المريخ لخرجت نفس الأقلام لتقول إن الهلال انتصر على فريق ناشئين. هذه الازدواجية هي أصل الأزمة في الخطاب الرياضي السوداني. لا يمكن أن تقلل من قيمة خصمك قبل المباراة، ثم تبحث عن الاعتراف بعد النهاية. وإذا كان المريخ رديفاً فعلاً، فلماذا تم شحن الجماهير للمباراة وكأنها معركة مصيرية؟
الهلال دخل اللقاء بعقلية مختلفة. لم ينشغل كثيراً بالتصنيفات الإعلامية ولا بمحاولة إعادة تعريف اللاعبين، بل تعامل مع المباراة باعتبارها قمة كاملة الدسم، ولهذا لعب بندية حتى بعد الطرد، واستطاع أن يفرض شخصيته في فترات طويلة من المواجهة. هدف ياسر مزمل لم يكن مجرد كرة في الشباك، بل كان إعلاناً بأن الهلال لا يحتاج إلى ضجيج إعلامي حتى يثبت حضوره.
كلمة أخيرة
بدا واضحاً أن خطاب «الرديف» أضر بالمريخ أكثر مما خدمه، لأنه وضع اللاعبين أنفسهم تحت ضغط نفسي، وكأنهم مطالبون بإثبات أنهم ليسوا أقل من الفريق الأول. اللاعب عندما يسمع يومياً أنه «رديف» يبدأ بالتعامل مع نفسه بهذه العقلية، بينما الهلال منح عناصره الثقة الكاملة، لذلك ظهر أكثر استقراراً داخل الملعب.
الجمهور السوداني واعٍ بما يكفي ليفهم أن الأزمة ليست في الأسماء، بل في طريقة إدارة الخطاب الرياضي. كرة القدم لا تعترف بالعواطف ولا بالشعارات. من ينزل إلى الملعب مرتدياً شعار النادي الأول فهو لاعب فريق أول، سواء كان عمره 18 أو 38 عاماً. لذلك فإن محاولة صناعة فارق وهمي بين «الرديف» و«الصف الثاني» ليست سوى محاولة للهروب من الحقيقة.
الحقيقة الأكبر أن القمة أكدت مرة أخرى أن الهلال يظل قادراً على فرض احترامه حتى في أصعب الظروف. لعب بعشرة لاعبين، وتأخر في النتيجة، ثم عاد وأدرك التعادل بشخصية البطل. بينما ظل إعلام المريخ منشغلاً بتفسير من هو الرديف ومن هو الأساسي، كان الهلال مشغولاً فقط بكيفية العودة في المباراة.
وفي النهاية، ستظل مباراة كيغالي درساً مهماً لكل من يحاول تسويق الوهم للجماهير، لأن كرة القدم لا تحفظ التصريحات، بل تحفظ ما يحدث داخل المستطيل الأخضر. وما حدث ببساطة أن الهلال قاتل حتى النهاية وانتزع التعادل بعشرة لاعبين، بينما سقطت قبل المباراة وبعدها كل محاولات تسويق «الوصيف الخفيف» و«الرديف الثقيل».
لا شيء سوى اللون الأزرق… الله الوطن الهلال.













