بوح الحبر (د الحبر عبدالوهاب)
في الهودي، وفي حشاشة ليلة عاصفة مغبرة، رفع أحد المسافرين أذان الفجر فتململ الرفاق في أسرَّتهم المتواضعة القصيرة ثم نهضوا استعداداً للصلاة .
الهودي، مثل غيرها من المحطات الخلوية في السودان، تجبرك على أن (تدبر ) نفسك ثم تصلي. هنا الحال كحال (قهوة أم الحسن )على طريق شريان الشمال (أم درمان- الملتقى) ، ومثل محطة (دورديب) على طريق (بورتسودان -كسلا) . لا ماء ولا مسجد، لذلك ثبتنا (الفرشة) التي صلينا عليها في العراء بأرجلنا وجباهنا المثقلة بالسهر. ولأنني لم أنم فقد قصدت (قهوة ) كان صاحبها يهب جمره ليجهز الجبنة وطلبت فنجان قهوة (مظبوط) وكان ذلك كذلك. جبنة ظبطها ( أدروب) أعتقد أنني لم أذق مثلها في حياتي.. وتحركت بنا (الشريحة) بعد أن سمح لها المرور بذلك قبل شروق الشمس .
الطريق من الهودي إلى عطبرة والذي ظننته قصيراً كان طويلاً زاحمت جانبيه شركات التعدين، فعطبرة التي كانت في وقت قريب مدينة العمال أصبحت مدينة الذهب والجنقو ( عمال التعدين). هذه المدينة الحبيبة إلى نفسي رأيتها قبل أكثر من ثلاثين عاماً عندما كنت عائداً إلى بلادي بالقطار أثناء دراستي في جامعة القاهرة بالقاهرة. كانت عطبرة مدينة صغيرة ترقد على الضفة الشرقية للنيل، لا طريق يربطها ببورتسودان أو الشمال .أما عطبرة اليوم فهي تختلف عن عطبرة التي عرفتها، حيث قامت فيها طرق وفنادق، وجاءها وافدون من كل أنحاء السودان، خاصة مع هذه الحرب. وودعنا عطبرة التي لم أر سكتها الحديد، ولا جسرها الضيق الذي كان يمتحن السائقين، إنما ولجنا كبري الدامر بعد (الصينية) واتجهنا جنوبا للخرطوم . الجانب الأيمن للطريق غطته أشجار المسكيت والمشاريع الزراعية، ثم لاحت لنا من حيث تشرق الشمس أهرامات البجراوية، فأخبرت رفاقي عن حضارة مروي والملكة أماني شاخيتي، ورددت قول شوقي:
ويا وطني لقيتك بعد يأسٍ…كأني قد لقيت بك الشبابا.









