الطاهر يونس
جلستُ خلف مكتبي بعد حين من الغياب كغريب تكسّرت بينه وبين المكان أواصرُ الألفة وتبعثرت امام ناظريه المسافات والأزمنة. لا أدري: أأنا ذلك الشخص الذي كانت تتعطّر أرجاء المكان حوله كل صباح بابتسامة الغائب مجدي وبشاشته التي تعلو ذلك الوجه المضيء؟ أم أنّني أفتقد مواعظ الصباح وتذكيرات الهاتف من سيادتو عاصم الذي كان يبدأ يومه ـ كعادته ـ بنثر كنوز المحبة الصباحية فتضيف إلى النفس جدارًا فولاذيًا من المنعة تمنحني القدرة على احتمال صباحٍ آخر؟
ساد الصمت عالمًا اعتاد الضجيج ،الشارع العام الذي كانت تمر عبره مؤن الخرطوم وموظفوها وطلابها وزائروها، والورشة بضجيج عمّالها، وحتى تلك الشكاوى التي كانت تتعالى من خلفي وتبعث على الضيق يومًا صارت اليوم جزءًا من حياة نفتقدها بكل تفاصيلها.
ربما الزمن الذي قضيته هنا قليل في حساب الساعات لكنه في الإحساس بدا دهورًا كاملة مثقلة بالذكريات ومرافقة الوجوه والأصوات التي تركت أثرها في جدار الروح.
وشهر مايو فوق حرّه ووقوفه في منتصف العام يحمل في داخله بعض الذكريات المؤلمة. وليس بعيدًا عنها الأسد فوزي المرضي، ذلك الرجل الذي غادر مطعونًا في سويداء فؤاده بعد فقد فلذة كبده في الساعات الأولى للحرب فعزّ عليه الاحتمال. كان في سابق أيامه يحدثك بطمأنينة ولطف وكلمات ترصف طريق الود الموصول بيننا حتى توارى صوته في ذلك النهار الأليم.
لست أدري متى تغادر هذه السحابة الثقيلة التي تظلّل حياتنا بالأحزان. فالخرطوم في غالب أحيائها باتت ساحةً للبؤس، تباعدت بعض حواريها وساكنيها عن العودة التي كانت تشعل ليالي الأنس وتضفي على الحياة لونًا آخر غير الذي نراه اليوم.
عودوا يرحمكم الله… فلنا في العودة حياة يا أولي الألباب.









