الرحيل المر
وليد احمد
رحل الرجل الكريم الشهم الأصيل…
وهذه هي الدنيا؛ لقاءٌ وفراق، وبقاءُ الذكر الطيب والعمل الحسن.
نسأل الله أن يرحمه رحمةً واسعة، وأن يجعل ما قدّمه من خير ومواقف نبيلة في ميزان حسناته، وأن يُلهم أهله ومحبيه الصبر والسكينة.
فالرجال تُعرف بأثرها، وبعض الأثر لا يغيب وإن غاب صاحبه
كان بعضُ الرجال يشبهون المعاني الكبيرة أكثر مما يشبهون البشر؛ إذا مرّوا تركوا في الأرواح سكينة، وإذا غابوا أحسّ الناس أن شيئاً من دفء الحياة قد انطفأ. وهكذا كان الباشمهندس عبد المنعم عمر عثمان، الرجل الذي لم يكن حضوره عابراً في ذاكرة أهله ورفاقه، بل كان هيئةً من الوقار، وصوتاً من أصوات الحكمة، وملامحَ من ملامح الزمن الجميل.
ترجّل اليوم عن صهوة العمر بعد رحلةٍ حفلت بالعطاء النبيل، وغادر الدنيا بمدينة الرياض تاركاً خلفه إرثاً من الصفاء الإنساني، والسيرة التي تُروى بمحبة لا بتكلّف، وبإجلالٍ لا تصنعه المجاملة، بل تصنعه المواقف الصادقة.
لم يكن الراحل ممن يكثرون الكلام عن القيم، بل كان يعيشها في تفاصيله اليومية؛ في استقباله للناس، وفي إنصاته لهم، وفي تلك الروح الرحبة التي جعلت كل من يقترب منه يشعر أنه أمام رجلٍ خُلِق ليكون سنداً لا عبئاً، وطمأنينةً لا قلقاً.
كان مجلسه مساحةً للألفة، لا تعرف الحواجز ولا الرسميات. تدخل إليه فتشعر أن الكرم ليس ما يُقدَّم على الموائد فقط، بل ما يُسكب في النفوس من احترامٍ ومودةٍ واحتواء. وكان من أولئك الذين يمنحون الآخرين شعوراً نادراً بالأمان الإنساني، كأن وجوده وحده يكفي لتخفيف أثقال الأيام.
عرفته الحلاوين والرياض رجلاً يحمل أهله في قلبه أينما حلّ، لا تقطعه المسافات عن ناسه، ولا تُلهيه الحياة عن السؤال والوصال. ظل وفيّاً لجذوره، معتزاً بانتمائه، مؤمناً أن الإنسان الحقيقي هو من يترك خلفه أثراً طيباً لا ضجيجاً عابراً.
وفي زمنٍ أصبحت فيه العلاقات سريعة وباردة، ظل الراحل يحتفظ بنقاء الروح القديمة؛ يزور، ويواسي، ويقف مع الناس في أوقات انكسارهم قبل أفراحهم، ويمنح من وقته ومشاعره كما يمنح من كرمه، حتى صار اسمه مرتبطاً في وجدان كثيرين بمعنى الشهامة والصدق وحضور المروءة.
لم يكن يسعى إلى مكانة، لأن مكانته جاءت إليه من محبة الناس. ولم يكن محتاجاً إلى ضوءٍ يعرّفه، لأن سيرته كانت كافية لتدلّ عليه. أولئك الرجال الذين يمرّون بهدوء في الحياة، لكن رحيلهم يحدث ضجيجاً في القلوب، هم وحدهم الذين يصعب على الكلمات أن تفيهم حقهم.
، لكن الأرواح النبيلة لا تغيب تماماً؛ تبقى في الدعوات، وفي الحنين، وفي المجالس التي يرد فيها اسمه مقروناً بالخير، وفي القلوب التي تعلّمت من حضوره معنى الإنسانية الراقية.
رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل ما زرعه من خيرٍ ومودةٍ نوراً يلقاه في آخرته، وألهم أهله ومحبيه جميل الصبر وعظيم السكينة.









